مُحاصَرَة: بفتح عُلب وأظافر نقّارة وجويل ودهشة محمد قيس...

رولا الحسينالجمعة 2026/07/31
من زفاف "يومي" على ضفاف بحيرة كوم في إيطاليا (انترنت)
من زفاف "يومي" على ضفاف بحيرة كوم في إيطاليا (انترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

خلال فترة انضمامي لفايسبوك، أي خلال 19 سنة، عطّلتُ حسابي أكثر من مرة لفترات تفاوتت بين أسبوع وشهرين. السبب الأساسي وراء هذا الابتعاد كان التململ من بوستاتي الكثيرة أحياناً، والتي لا أستطيع دائماً السيطرة على وتيرتها إلا من خلال تعطيل الحساب. لكي أُبعد عني فكرة ما، كنتُ أدوّنها على حائطي، لكن هذا كان يزيد رغبتي في الهرب لأن الأفكار المدوّنة تبقى أمامي. 

 

وجودي في مواقع التواصل الاجتماعي مقتصر على منشورات في فايسبوك وانستغرام. في فايسبوك حسابي شخصي، أما انستغرام فهو للعمل، أنشر فيه لوحاتي وأضيف الفنانين. لكن مؤخراً، وعند كل تصفح، باتت رغبتي في الانسحاب تتضاعف، ليس هرباً من قراءة منشوراتي هذه المرة، بل مللاً منها. كل لحظة، أشعر بأني لا أملك خيار أن لا أتابع ما يمر أمامي. محاصرة بالخوارزميات وأبطالها. لا أجرؤ أن أطيل النظر في أي إعلان أو "ريل" لأني أعلم أن الخوارزمية ستظنني معجبة بما أراه وسأُحاصَر به.

 

صرت محاصرة بكثرة. إما لأني أطلتُ النظر سهواً في فيديو ما، أو لأن الفضول دفعني لمشاهدة فيديو ما وأخذني إلى غيره ثم علقت في مشاهدة كل ما ظهر، لأن ملل الوقت الضائع والرغبة في الفرار من التفكير في أشياء كثيرة لا أملك أدني سيطرة عليها، كانتظار توسع الحرب مثلاً والعيش  الموقوف خلال الانتظار، كلها عوامل تدفعني للاستسلام لمشاهدة أي شيء مهما كان مستوى تفاهته. هذا النوع من المشاهدة يذكّرني بمتابعتي حلقة من مسلسل لبناني لا أطيقه، وأنفر من قصته وأضحك على ركاكة السيناريو التمثيل، لكني أستمر في تعذيب نفسي بمشاهدته. يجب أن يكون لهذا النوع من المشاهدة إسم!

 

لكني في حالة "الريلز"، أحاول جاهدة أن أتحرر، ولم أنجح بعد. وإذا تمكنت من الهرب من فايسبوك، يلاحقني الريل في إنستغرام. أريد فعلاً أن أوقف حساباتي، لكني لا أستطيع إغلاقها في فايسبوك وإبقاءها في انستغرام، ولا يسعني أن أوقف انستغرام لأنه مهم لعملي. محاصرة!

 

محاصرة بالريلز عن حياة "يومي". كيفما نظرتُ، وجدتها مع أختها وأمها "سوسو"، يتحدثن عن أي شيء. "يومي" لديها شركة تبيع منتجاتها التجميلية، لكن فيديوهاتها ليست فقط عن نجاحات شركتها وفروعها، بل كل شيء يخصها: حقائبها، ماكياجها، حملها، زفافها، خزانة ملابسها وأحذيتها، حبها للفواكه... تطل علينا قبل العمل وأثناء العمل وأثناء تناول الغداء وقبل النوم وفي السرير وأثناء النوم، لتخبرنا أي شيء لا يعني أحداً منا. مهووسة تسوق، ولديها وزوجها ما يكفي من المال لتشتري أي شيء وكل شيء، وعلينا أن نرى كل ما تشتريه. وعندما يصلها استفسار عن جنس المولود، تنشر فيديو تقول فيه: ليش حشورين؟ ما عندكن غيري تفكروا فيه؟ اهتموا بحياتكم!

 

غالبية الحسابات للنساء، أو على الأقل غالبية ما يظهر في التايم لاين عندي. نساء صار لديهم، بطريقة ما، متابعون/ات، وصرن مقصودات للإعلان عن منتجات لم يملكن ثمنها، حصلن عليها مجاناً لترويجها، ثم على الأرجح صرن يملكن ثمنهاإلا أنهن سيحصلن عليها مجاناً بكل الأحوال.

 

محاصرة بريلز لنساء يطبخن، الطبخ العادي، لكن فجأة صار لديهن متابعون، وصرن يطبخن مع إبراز نوع محدد من الزيت أو الزبدة أو أي منتج آخر، وأخريات طباخات يصير لديهن أزواج يظهرون معهن ويصيرون جزءاً من الريل. تلك التي تبالغ في رش الملح، وأخرى تبالغ في أزيائها وحجم وجباتها، وتلك المؤثرة التي هي أصلاً زوجة شيف "مؤثر" متهم غيابياً الآن بصناعة وتصدير مخدرات. هؤلاء "يؤثران" معاً على الأقل قبل الطلاق أو ادعائه.

 

محاصرة بأنواع كريمات للبشرة لا أحفظ منها أي اسم. مؤثرات يقفن أمام خزانة ملابسهن حيث مئات الحقائب والأحذية من ماركات عالمية، ويشاركن جماهيرهن وضع الماكياج الصباحي أو المسائي. اسمه الرسمي  makeup routine. بأظفارهن الطويلة يضعن طبقات من كريمات عديدة يظهرن علامتها التجارية ثم يضعن طبقات من الفوندايشن والكونتوريغ والرموش ورسم الحواجب وتمشيط الحواجب ووضع جل على الحواجب. وأخريات يشاركن عمليات البوتوكس والفيلر ورسم تاتو الحواجب وتكبير الشفاه وشد الوجه في عيادات ومراكز تجميل، وتكون المشاركة في حد ذاتها، الترويج الذي يتيح هذه الخدمات التجميلية مجاناً. 

 

كل ما أراه يثير أعصابي. المونتاج السريع المعتمد من الجميع، الصوت القوي الصادر عن أي حركة: فتح كيس، تقطيع بندورة، ماكينة القهوة... كيف يبتعدن عنها لكي تظهر ملابسهن، كيف تبنّين التصالح مع نشر ومشاركة كل شيء، كيف منهنّ من تجرّ زوجها ليصبح مُنتَجاً إضافياً في الريلز ومصدر دخل إضافي... طبعاً البعض يجرّ الأولاد فنشاهد أمراض الأسرة مجتمعة.

 

الجميع يريد أن يحصل على كل شيء من دون أن يفعل شيئاً. الجميع يريد أن يحصل على كل ما حصل عليه الآخرون، ويفعل كل شيء كمل يفعله الجميع.

 

امرأة تطل بكلمة "صباحو"، تعيش في دبي حياة تبدو ميسورة، تصور "كليبات" تقول فيها أشياء مثل: أنا قررت لما عصب ما بقى آكل لأن التعصيب بيروح بس الفخاد ما بيروحوا! أو كليبات تمثيلية مع صديقاتها تتناول فيها مواقف عادية تظن أنها ساخرة وتستحق أن نشاهدها، لأن صديقاتها قالوا لها على الأرجح: ييي عليكي ما أهضمك يا جويل، بشرفك صيري نزلي هيك قصص وشوفي قديه بيجيبولك فولوويرززز! 

 

النساء كلهن يردن أن يفتحن صناديق المنتجات التي حصلوا عليها أمامنا، أو ما صار يعرف بالـunboxing. هي منتجات مجانية والـunboxing يزيد التفاعل والمتابعين والهدايا والدخل. دخل يحصلن عليه لأنهن جاهزات لتحويل حياتهن إلى .billboard لكن مهلاً...مَن اخترع حركة نقر الأظافر الطويلة المقرفة على العلب قبيل فتحها؟! 

 

الكل أصبح ذوّاقة طعام، ويفترض أن نثق في حكمهم فيما نشاهد بقرف طريقة تناولهم للأكل الموضوع أمامهم بكميات هائلة فيما يصدرون أصواتاً هائلة أيضاً. 

 

أما البودكاست فقصة أخرى. المحاورون يحاصرونني قبل الضيوف. أنا حتى اللحظة لا أفهم هذا الشي وأكره كل شيءٍ فيه. أكره الميكروفون الكبير المستخدم والـhead set الكبير، وأكره أنه يشبه برنامجاً إذاعياً، لكن مصوّر، وأكره تصنّع الدردشة فيه وادعاء بساطته وأكره كثرته. ومع كلscroll down يظهر لي محمد قيس بعينيه المتفاجئتين كعيني مالك مكتبي، كأنهما خرّيجا مدرسة ادعاء الدهشة ذاتها، أو يظهر مالك مكتبي بشحمه ولحمه بعدما صار لديه بودكاست عن الصحة وهو يكرر طريقته المسرحية في برنامجه السابق، حين يكرر ما يقوله الضيف كأنه يحاول استيعابه. أو يظهر أنس بوخش الذي يتحدث من شفتيه لا من فمه، بصوتٍ انخفاضه مفتعل، يجلس كأنه سيقع من كرسيه، ينظر متبنياً شخصية المتفهم الذي بإمكانك أن تبوح له هو تحديداً بكل شيء، لا أعرف لماذا!

 

لا يتوقف الترويج. لا يتوقف العرض. لا يتوقف التمثيل. لا تتوقف التفاهة ولا يتوقف الحصار. 

 

وأنا أتابع قسراً بعض ما يفرض عليّ ويحاصرني. كأنه فيلم "ذا  ترومان شو"، حيث كل مايُقال ويُعاش ويُنجز هو مجرد ترويج لمنتج ما في مسلسل. ترومان هو الوحيد الذي لم يكن يروج لبيع أي شيء، على الأقل لم يكن يعلم أنه يروج لبيع أي شيء. أشعر أني ترومان وأنا أحاول الخروج من هذا السوق الذي لا أروّج فيه لأحد أي شيء، ولا أريد أن أفعل. لكن، وعلى عكس ترومان، مشهد الغروب أمامي حقيقي ولن تصله أي مؤثرة لبيعه... على الأقل ليس مشهدي تحديداً.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث