تنشر صحيفة "لوريان لو جور" تباعاً سلسلة تحقيقات استقصائية عن المصرفي ورجل الأعمال اللبناني أنطون الصحناوي، إحدى الشخصيات الأكثر نفوذاً وجدلاً في المشهد اللبناني، في محاولة لرسم صورة عن مساره المالي وعلاقاته وشبكة النفوذ التي بناها خلال العقود الماضية.
وقال رئيس تحرير الصحيفة، أنطوني سمراني، أن الصحيفة نشرت حتى الآن ثلاثة تحقيقات ضمن سلسلة مؤلفة من خمسة أجزاء، فيما يحاول الصحناوي منع نشر الأجزاء المتبقية عبر إجراءات قضائية، بعدما تقدم بطلب أول لمنع نشر الجزء الأول ولم ينجح، ثم عاد وتقدم بطلب ثانٍ لوقف استكمال السلسلة.
وتأتي المعركة الجديدة بين الصحناوي و"لوريان لو جور" بعد سنوات من الخلاف القضائي بين الطرفين. ففي كانون الأول/ديسمبر 2022، أعلن فريق الصحناوي القانوني عزمه التقدم بدعاوى ضد عدد من وسائل الإعلام بتهمة "فبركة الأخبار والتحريض"، وكانت "لوريان لو جور" في مقدمة المؤسسات المستهدفة إلى جانب منصة "درج"، على خلفية تقارير ربطت اسم الصحناوي بتمويل وإدارة مجموعة "جنود الرب" المسيحية المتطرفة في منطقة الأشرفية. ومازالت القضية في مسارها القضائي، ولا قرار نهائياً من المحكمة.
وتذهب التحقيقات الحالية إلى مساحة أوسع، حيث تقول الصحيفة أنها تسعى إلى تفكيك مسار رجل جمع بين النفوذ المصرفي والعلاقات السياسية والحضور الثقافي، وبقي رغم ذلك بعيداً نسبياً من الأضواء. وقال سمراني في حديث مع "المدن" أن قرار إعداد السلسلة جاء انطلاقاً من اعتبار الصحناوي شخصية تتمتع بنفوذ كبير في لبنان في ملفين أساسيين: الأول هو قانون إعادة هيكلة النظام المصرفي، وكل القضايا المالية المرتبطة بالمصارف، والثاني هو ملف المفاوضات بين لبنان وإسرائيل.
ورأى سمراني أن المفارقة تكمن في أن الصحناوي، رغم نفوذه، مازال شخصية غير معروفة بشكل كافٍ للرأي العام، حيث "لا يكاد أحد يجرؤ على الحديث عنه. لا أحد يجرؤ على التطرق إليه، ولا نعرف فعلياً الأشخاص المحيطين به، ولا طبيعة شبكاته، وكيف تعمل هذه الشبكات، وما إلى ذلك. لذلك قررنا إعداد سلسلة ترسم ملامحه وتقدم صورة متكاملة عنه".
وتزامن نشر الجزء الأول من التحقيقات مع انتشار صورة جمعت الصحناوي برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على مائدة عشاء، في توقيت زاد من الجدل حول الشخصية، إلا أن سمراني أكد أن التزامن كان "صدفة" ولم يكن مقصوداً. وأضاف: "حاول منع النشر، فتقدم بطلب أول أمام القاضي لمنع نشر المقال، لكن المحاولة لم تنجح. وبعد نشر الجزء الأول، عاد وتقدم بطلب ثانٍ بهدف منع نشر بقية السلسلة. وحتى الآن، لا نعرف ما إذا كانت هذه المحاولة الثانية ستنجح أم لا".
ويتناول الجزء الأول من السلسلة جذور عائلة الصحناوي، ومسار بناء نفوذها الاقتصادي والسياسي منذ خمسينيات القرن الماضي، وصولاً إلى الصراع داخل العائلة الذي انتهى بوصول أنطون الصحناوي إلى قيادة المصرف. كما يتوقف التحقيق عند محطات مثيرة للجدل في مسيرته، أبرزها حادثة إطلاق النار في ملهى "البيت الأبيض" العام 2010، قبل أن يقدم صورة عن شخصية باتت، بحسب التحقيق، لاعباً مؤثراً في الاقتصاد اللبناني مع حضور محدود في المجال العام.
أما الجزء الثاني، فيتتبع مرحلة توسع الصحناوي بعد توليه قيادة مصرف SGBL العام 2007، حين عمل على تحويل المؤسسة المصرفية إلى منصة ذات امتداد دولي عبر الاستحواذ على مؤسسات مصرفية في الولايات المتحدة وأوروبا. ويركز التحقيق على علاقته بحاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، وعلى دور هذه العلاقة خلال مرحلة الهندسات المالية التي استفادت منها المصارف قبل انهيار النظام المالي اللبناني.
ويتناول التحقيق أيضاً محاولة الصحناوي بناء صورة تتجاوز العمل المصرفي، عبر الاستثمار في الثقافة والفن والسينما، وتمويل إنتاجات دولية، وتعزيز علاقاته مع شخصيات سياسية وثقافية في لبنان وفرنسا.
وينتقل الجزء الثالث إلى مرحلة الأزمة المالية التي بدأت العام 2019، ويتناول كيف انتقل الصحناوي من صورة المصرفي الناجح إلى شخصية مرتبطة بالأسئلة التي رافقت انهيار القطاع المصرفي. وأشار التحقيق إلى أن اسم الصحناوي ظهر خلال انتفاضة 17 تشرين إلى جانب أسماء كبار المصرفيين، باعتباره أحد وجوه النظام المالي الذي حمّله المحتجون مسؤولية الأزمة.
ويتناول التحقيق أيضاً طريقة تعامل المصارف مع الانهيار، والملفات القضائية التي طاولت القطاع، والتحقيقات المرتبطة بتحويل الأموال إلى الخارج، إضافة إلى المواجهة حول خطط إعادة هيكلة المصارف وتوزيع الخسائر. وبحسب التحقيق، بقي الصحناوي لاعباً أساسياً في الدفاع عن نموذج القطاع المصرفي، مستخدماً شبكة علاقاته ونفوذه الاقتصادي والسياسي للتأثير في النقاش حول مستقبل هذا القطاع.
مع استمرار السجال القضائي حول نشر بقية الأجزاء، تتحول سلسلة "لوريان لو جور" إلى مواجهة تتجاوز شخص الصحناوي نفسه، لتلامس أسئلة أوسع حول حدود الصحافة الاستقصائية، ونفوذ رجال المال، ودور القضاء في القضايا التي تطاول شخصيات نافذة في لبنان.




