الصحافة المراعية للصدمات: كيف تصبح تغطية الحرب أكثر إنسانية؟

جنى شقيرالأحد 2026/07/26
صحافيون يراقبون القصف على الضاحية الجنوبية لبيروت (Getty)
صحافيون يراقبون القصف على الضاحية الجنوبية لبيروت (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم تكن الحرب الأخيرة في لبنان اختباراً لقدرة الصحافيين على الوصول إلى المعلومة وتوثيق الأحداث فقط، بل كانت أيضاً اختباراً لطريقة الاقتراب من قصص الناس الذين عاشوا التجربة. 

خلف مشاهد القصف والدمار والنزوح، ظهرت حكايات فقدٍ وخوف وصدمات نفسية عميقة، والسؤال لم يعد كيف يحصل الصحافي على القصة فقط، بل كيف يرويها من دون أن يعيد إيذاء الشخص الذي يحملها أو حتى إيذاء نفسه؟
 

مقاربة مهنية
من هنا تبرز الصحافة المراعية للصدمات، وهي مقاربة مهنية تسعى إلى تحقيق توازن بين حق الجمهور في المعرفة وحق الأشخاص الذين تُروى قصصهم في الحماية والكرامة. 

وأوضحت الخبيرة الإعلامية والباحثة في كلية الحقوق بـ"جامعة نيويورك" (CHRGJ) ربى الحلو، أن الصحافة المراعية للصدمات تقوم على فهم تأثير التجارب الصادمة على الناجين والناجيات الذين يقابلهم الصحافيون، وفي المقابل فهم أثر التغطية الصحافية والأحداث التي ينقلونها على الصحافيين والصحافيات أنفسهم.

وقالت الحلو إن هذا النهج "يحمي طرفَي القصة: المصدر والصحافي معاً"، موضحة أنه لا يعني تجنب القصص الصعبة أو تخفيف وقعها، بل التعامل معها بطريقة أكثر دقة وإنسانية ومسؤولية.

 

تجربة.. لا مصدر للمعلومات

وفي التغطيات المرتبطة بالحروب والانتهاكات، لا تكون المسؤولية الصحافية مرتبطة بما يُنشر فقط، بل أيضاً بالطريقة التي يتم فيها الوصول إلى المعلومات. فالناجي من قصف أو تهجير أو عنف جنسي لا يدخل المقابلة كمصدر معلومات، بل كشخص يحمل تجربة مؤلمة. 

لذلك تقوم الصحافة المراعية للصدمات على مبادئ أساسية، أبرزها الموافقة المستنيرة والمستمرة، والإنصات الفعال، واحترام رغبة الناجين في مشاركة ما يريدون مشاركته، وتجنب الأسئلة أو الأساليب التي قد تعيد إنتاج التجربة المؤلمة.

وهنا، أشارت الحلو إلى أن الموافقة المستنيرة ليست إجراءً شكلياً، بل عملية مستمرة تتيح للشخص تعديل قراره أو التراجع عن المشاركة في أي وقت. وينطبق ذلك بشكل خاص على تغطية قضايا مثل الاغتصاب والعنف الأسري، حيث تتداخل الصدمة مع الخوف والوصمة الاجتماعية واحتمالات التعرض لمزيد من الأذى. 

في هذه الحالات، ربما يؤدي كشف الهوية أو نشر تفاصيل غير ضرورية إلى مضاعفة الضرر بدلاً من إنصاف الناجي أو الناجية.

 

من الطب إلى الصحافة

ومفهوم الصحافة المراعية للصدمات لم يبدأ داخل المؤسسات الإعلامية، بل نشأ أولاً في المجال الطبي مع تطور فهم الصدمة النفسية واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، قبل أن ينتقل إلى مجالات أخرى، بينها الصحافة. 

وفي المنطقة العربية، بدأ هذا المجال يأخذ شكلاً أكثر وضوحاً مع التحولات التي شهدتها المنطقة منذ العام 2011، حين وجد آلاف الصحافيين أنفسهم يعملون في بيئة مليئة بالحروب والنزاعات والانتهاكات.

وفي كانون الأول/ديسمبر 2025، أطلق أول "ماستر كلاس" إقليمي للتغطية الصحافية المراعية للصدمات في المنطقة العربية خلال المنتدى السنوي الثامن عشر لشبكة الصحافة الاستقصائية العربية "أريج" في عمّان، بدعم من منظمة "صحافة حرة بلا حدود" (Free Press Unlimited)، لينتقل لاحقاً إلى برامج وطنية معمقة، من بينها تدريبات مكثفة في الأردن ولبنان.

 

غياب مواد تعليمية

وسلطت الحلو الضوء على فجوة واضحة تتمثل بغياب مواد تعليمية عربية متخصصة تأخذ في الاعتبار خصوصية المنطقة وتجارب صحافييها ظهرت خلال إعداد البرنامج، مضيفة إلى أن تم تطوير دليل "التغطية الصحفية المراعية للصدمات" ليصدر باللغتين العربية والإنجليزية كمورد تعليمي مفتوح، متاح للصحافيين والمؤسسات الإعلامية وكليات الإعلام.

وتضع التغطية المراعية تضع الصحافي نفسه في دائرة الاهتمام. لأن التغطية المستمرة للحروب والكوارث والعنف ربما تؤدي إلى صدمات ثانوية، أو احتراق وظيفي، أو إرهاق عاطفي. 

ولهذا، رأت الحلو أن "حماية الصحافي تقع على عاتق المؤسسات الإعلامية أيضاً التي يجب أن تطور سياسات واضحة تشمل تقييم المخاطر قبل التكليف، ومراجعة ما بعد التغطيات الصعبة، وتوفير مسارات دعم نفسي سرية". 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث