بينما ارتبطت لقاءات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على مدار سنة ونصف سنة، بوقائع التصعيد في الشرق الأوسط، إلا أن الإعلام العبري روّج لزيارته الجديدة إلى البيت الأبيض هذا الأسبوع، كمناسبة لاستيضاح الموقف الأميركي بشأن الملفات الأبرز، وهي لبنان وإيران وغزة، ومكانة إسرائيل بموجب مقاربات واشنطن المطروحة والمستجدة.
ضمان حرية الحركة والمناورة
ورصدت "المدن" تحليلات وتسريبات إسرائيلية في الساعات الماضية، بشأن ما يبحثه نتنياهو خلال لقائه ترامب الثلاثاء، موضحة أنه رغم استحواذ إيران على النقاش، إلا أن لبنان حاضر أيضاً على طاولة النقاش، إذ سيبحثان الجهود الرامية إلى صياغة ترتيبات أمنية دائمة على الحدود الشمالية وانعكاسات التطورات الإقليمية الأوسع، حيث تسعى إسرائيل إلى ضمان أن يحافظ أي اتفاق مستقبلي على حرية تحركها الأمني والعسكري.
في الوقت نفسه، قالت صحيفة "معاريف" إن الملف اللبناني يكتسب "أهمية خاصة" بعد لقاء ترامب بالرئيس اللبناني جوزيف عون في الأيام الماضية، حيث يرغب نتنياهو باستيضاح التفاهمات التي طُرحت خلال لقاء عون-ترامب، والتأكد من أن أي تصور أميركي مستقبلي "لن يتيح لحزب الله فرصة لإعادة بناء قدراته"، حسبما أفادت تقارير عبرية. ولعل هذا يعكس ما وصفتها وسائل إعلام إسرائيلية "خشية تل أبيب" من أن تؤدي آلية تسوية لا تشارك فيها بصورة كاملة، إلى تقليص حرية عمل الجيش الإسرائيلي، ومنح إيران وحلفائها "أفضلية ميدانية"، حسب ادعاءات الدوائر السياسية والأمنية في تل أبيب.
لقاء نتنياهو بعد عون.. عمداً؟
وبينما أشارت تقارير عبرية إلى أن زيارة نتنياهو الجديدة إلى واشنطن، تأتي بعد تأجيلها أكثر من مرة، تحت عنوان "امتلاء" جدول أعمال ترامب بالأسابيع الأخيرة، إلا أن صحافيين إسرائيليين مقربين من مكتب نتنياهو، كشفوا أن تحديد موعد اللقاء، كان عمداً من الطرفين الأميركي والإسرائيلي، وذلك لضمان أن تكون زيارة نتنياهو إلى واشنطن بعد لقاء الرئيس اللبناني مع ترامب، لا قبله؛ وذلك لضمان اطلاعه على تحديثات الموقف اللبناني والأميركي بخصوص ترتيبات المرحلة المقبلة، لا سيما وأنه تعذر الجمع بين عون ونتنياهو وترامب في لقاء واحد؛ بسبب رفض لبنان إجراء اللقاء الوجاهي مع رئيس الوزراء الإسرائيلي.
"الاختبار الحقيقي".. مَن يملأ الفراغ؟
إلى ذلك، لم تتوقف المراكز البحثية الاستراتيجية في إسرائيل، عن السؤال عن مستقبل الاتفاق مع لبنان، ومدى صموده أمام "تحديات" كثيرة، إذ اعتبرت الباحثة الإسرائيلية المتخصصة بشؤون لبنان و"حزب الله" في مركز أبحاث الشرق الأوسط في جامعة "أريئيل"، نوعا ريفان، أن الاختبار الحقيقي لاتفاق لبنان، ليس فقط ما إذا كان حزب الله سينزع سلاحه، بل من سيملأ "الفراغ" الذي سينشأ بعد ذلك، مدعية أن "السيادة" لا تقتصر على رفع العلم أو نشر الجنود أو كلمات مكتوبة على الورق، وإنما "يجب" على الدولة اللبنانية أن توفر المأوى للنازحين وتعوض العائلات، وتنشئ لجنة لإعادة إعمار مخصصة لإعادة بناء البلدات اللبنانية والحياة إليها واستعادة مصادر رزق السكان، وفق الباحثة الاسرائيلية ريفان.
ووفق ريفان، فإنه في خضم الجدل السياسي والأمني، اختفى تقريباً صوت الطائفة الشيعية التي تحملت العبء الأكبر ودفعت الثمن الأعلى جراء الحرب، مبينة أن السؤال ليس فقط ما إذا كان الاتفاق "سيُضعف" حزب الله، بل ما إذا كان "سيعيد" الشيعة إلى الدولة اللبنانية أم سيعمّق شعورهم بالاغتراب عنها.
ورأت ريفان أن النقطة الأهم في الاتفاق، ليس البند الثالث المتعلق بالمناطق التجريبية، وإنما مدى وقوف الدولة اللبنانية إلى جانب الطائفة الشيعية.. معتبرة أن الدولة إذا وقفت إلى جانبهم، فقد يفتح الاتفاق "طريقاً حقيقياً لعودة الشيعة إليها". وأما إذا "فشلت"، فلن تضيع "فرصة تاريخية" فقط، بل ستمنح حزب الله "أقوى حجة له حتى الآن"، ومفادها أن الدولة اللبنانية تطلب من الشيعة "التخلي عن سلاحهم"، لكنها "تتركهم مرة أخرى لمواجهة مصيرهم وحدهم"، وفق مقال ريفان.
انتشار الجيش اللبناني سيستغرق سنوات!
وكدلالة على الفهم الإسرائيلي الانتهازي للاتفاق مع لبنان، نقل المراسل العسكري لصحيفة "معاريف" آفي أشكنازي، عن قيادات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان، أن الجيش اللبناني سيستغرق عدة سنوات للانتشار في كامل جنوب لبنان؛ بذريعة محدودية قواته وقدراته والدعم اللوجستي الذي يحظى به، وهي حجة تكشف عن مخططات إسرائيل الهادفة إلى ضمان احتلالها للجنوب اللبناني لسنوات على الأقل، بغض النظر عن الاتفاق الإطاري من عدمه!
و نقل أشكنازي عن قادة عسكريين أيضاً، إن القوات الإسرائيلية الموجودة داخل الأراضي اللبنانية تمثل "دائرة الدفاع الثالثة" لإسرائيل، مشيراً إلى أن الكتيبتين التاسعة و601، من بين وحدات اللواء 401، تواصل وجودها في عمق لبنان. وحسب هؤلاء القادة للوحدات العسكرية المحتلة للبنان، فإن الجيش الإسرائيلي بنى سلسلة من المواقع العسكرية تُعرف باسم "مواقع القبضة"، وهي شبكة مواقع تُمكن جيش الاحتلال من الإشراف الناري والبصري على عمق "المنطقة الأمنية" في لبنان. وأشار مراسل "معاريف" العسكري إلى أن الجيش الإسرائيلي أقام "منظومة دفاع متعددة الطبقات" في المنطقة، بحيث يعتمد الخط الأمامي على قوات متحركة وأنظمة مراقبة؛ بحجة إنشاء منطقة منزوعة السلاح، تشكل "عمقاً أمنياً" إسرائيلياً.
قضية لبنان.. "لن تنتهي أبدا"!
وجاء أحدث تقرير للقناة العبرية "12"، ليؤكد الدعاية الإسرائيلية ذاتها، إذ لعب كبير مذيعيها داني كوشمارو، دور "المراسل العسكري" بذهابه رفقة قوة من جيش الاحتلال إلى عمق لبنان، وتحديداً مدينة بنت جبيل التي فاخر بالسيطرة عليها بعد أن كانت "عاصمة حزب الله"، حسب وصفه، كما روى مشاهداته لحجم الدمار الكبيرة الذي أصابها، قائلاً إنها تحولت إلى بلدة مدمرة بعد أن ربطتها علاقات تجارية واسعة مع سكان الجليل قبل نشوء إسرائيل.
ونقل كوشمارو عن قادة عسكريين إسرائيليين، أنه لا أحد منهم يعتقد أن الاتفاق مع بيروت، سيؤدي إلى انسحاب إسرائيلي كامل حتى خط الحدود. ورداً على سؤال كشمارو "هل سيأتي يوم ننتهي من قصة لبنان؟"، أجاب ضابط إسرائيلي يُدعى العقيد "كرويزمان"، بأن هذه القضية "لن تنتهي أبداً، سيبقى لبنان يرافقنا بشكل أو بآخر، وقد يكون ذلك أحياناً بدرجة تصعيد منخفضة"..
ولعل ما قاله الضابط الإسرائيلي يعكس حقيقة عقلية تل أبيب تجاه لبنان، وهي إطالة الصراع مع معه إلى أجل غير مسمى، ولو اضطر لاختراع "عدو جديد"؛ بحثاً عن ذرائع دائمة ومستجدة، لاحتلال أراضيه ومواصلة العدوان عليه.




