لليوم الثاني على دخول الأهالي إلى زوطر الغربية للمرة الأولى، بعد انتشار الجيش اللبناني فيها ضمن ما يُعرف بـ"المنطقة التجريبية" المنبثقة عن اتفاق الإطار، ما زالت الأسئلة تُطرح حول آلية التعامل مع الصحافيين الذين يحاولون مواكبة هذه اللحظة المفصلية.
ففي حين تمكن عدد من الصحافيين من دخول البلدة وإنجاز تقارير ميدانية، وتوثيق مشاهد الدمار، يشتكي صحافيون آخرون من منعهم من الوصول إلى المنطقة، معتبرين أن القرار يُطبّق بطريقة غير واضحة.
ويشير صحافيون إلى أن قرار منع الدخول، بصيغته الحالية، يحتاج إلى توضيح من قيادة الجيش أو الجهات الرسمية المعنية، خصوصاً أن بعض المؤسسات الإعلامية تمكن من العمل داخل زوطر الغربية، فيما مُنع صحافيون آخرون من دخول المنطقة من دون معرفة المعايير التي يتم اعتمادها في السماح أو المنع.
فإذا كان الدخول مسموحاً في حالات معينة، فما هي الشروط التي تحدد من يدخل ومن يُمنع؟ ولماذا يُسمح لبعض الصحافيين بمرافقة الأهالي وتصوير المشهد، فيما يُطلب من آخرين العودة من دون تفسير واضح؟
بين الإجراءات الأمنية وحق التوثيق
لا يتعلق الجدل فقط بحق الصحافيين في الوصول إلى الميدان، بل بأهمية توثيق لحظة تحمل رمزية كبيرة بالنسبة إلى أبناء المنطقة. فعودة الأهالي إلى زوطر الغربية بعد أشهر من الإحتلال والدمار، ليست مجرد حدث ميداني عابر، بل مشهد يحمل أبعاداً إنسانية وسياسية مرتبطة بذاكرة الجنوب.
والصحافي لا ينقل فقط لحظة عودة السكان إلى منازلهم، بل يوثق تفاصيل مرحلة كاملة: وجوه الأهالي بعد الغياب، حجم الأضرار، المنازل التي بقيت شاهدة على الحرب، ومحاولات الناس استعادة حياتهم في أرض تركوها قسراً.
وتاريخياً، شكّل وجود الصحافيين في المناطق التي شهدت الحروب والنزاعات جزءاً أساسياً من حفظ الذاكرة الجماعية. ففي لحظات مفصلية، كان للصورة دور يتجاوز نقل الخبر، لتصبح وثيقة تحفظ ما جرى وتمنع طمس التفاصيل أو إعادة صياغة الوقائع وفق روايات مختلفة.
"حرب الصورة" لا تقل أهمية عن حرب الميدان
يرى صحافيون أن الحرب لم تعد تُخاض فقط على الأرض، بل أيضاً على مستوى الصورة والرواية. فما لا يُصوَّر ولا يُوثق قد يتحول مع الوقت إلى رواية ناقصة أو منسية.
وفي هذا السياق، تستعيد زوطر الغربية مشهداً يشبه، من حيث الرمزية، لحظة الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان العام 2000، حين لعب الإعلام دوراً محورياً في نقل صور عودة الأهالي وفتح البلدات أمام الرأي العام اللبناني والعالمي.
ولولا وجود الصحافيين والكاميرات في تلك اللحظات، لما بقي الكثير من المشاهد التي أصبحت جزءاً من الذاكرة الوطنية. واليوم، مع عودة السكان إلى القرى الحدودية، يرى الصحافيون أن نقل هذه اللحظة وتوثيقها لا يقل أهمية، خصوصاً في ظل تعدد الروايات حول ما يجري على الأرض.
مسيّرات في السماء… ومنع للكاميرات على الأرض
يطرح الصحافيون أيضاً علامات استفهام حول قرار المنع، خصوصاً أن الأسباب الأمنية له، في حال وجدت، تدحضها المسيّرات الإسرائيلية التي تواصل التحليق في أجواء المنطقة، مما يجعل منع الإعلام من الدخول لأسباب أمنية، غير مقنِع.
ويرى هؤلاء أن الحفاظ على الأمن أمر مفهوم، لكن تنظيم حركة الصحافيين يجب أن يكون واضحاً وموحداً، وأن يخضع لمعايير معلنة، لا لاجتهادات مختلفة بين صحافي وآخر أو مؤسسة وأخرى.
كما أن وجود الإعلام في الميدان يساهم في نقل الوقائع كما هي، خصوصاً في المناطق الحدودية التي شهدت خلال الحرب أحداثاً متسارعة وخروقاً متكررة، ما يجعل الحاجة إلى التوثيق أكثر إلحاحاً.
الصحافة كشاهد على مرحلة جديدة
بالنسبة إلى الصحافيين، فإن السماح لهم بدخول زوطر الغربية ليس امتيازاً، بل جزءاً من دورهم الطبيعي في نقل ما يحدث وتوثيق مرحلة جديدة من تاريخ المنطقة.
فعودة الأهالي إلى بلداتهم ليست مجرد خبر، بل قصة إنسانية وسياسية تحتاج أن تُروى بالصورة والكلمة. وبينما يحاول السكان استعادة منازلهم وحياتهم، تبقى الكاميرا شاهداً على ما خلفته الحرب، وعلى ما يحاول الناس بناءه من جديد.




