لا تماسيح في هذه الملاعب

نور السيدالسبت 2026/07/25
دموع خسارة الأرجنتين (غيتي)
دموع خسارة الأرجنتين (غيتي)
حجم الخط
مشاركة عبر

في مثل هذه الأيام، ذرف دموعاً ثقيلة بطعمٍ لا يشبه شيئاً. أدار ظهره للكأس ولم يلتفت حتى لنظرة أخيرة. في مونديال 2006، بكينا جميعاً الخيبة مع زين الدين زيدان، مشجعين ومنافسين.
 

في برلين، التقى الطليان مع فرنسا في اختتام البطولة، كنت حينها في أوائل العشرينات. بعد التتويج، حملت دموعي وهرعت إلى دفتري البنيّ، لأسجّل خاطرتي الأولى. لا أذكر ما كتبت، لكني شعرت أن الدمع ناقص وعاجز لوحده عن التعبير، فرسمت بالكلمات ما لم أستطعه بالبكاء. واليوم، بعد خبرة لا بأس بها بالكتابة، فوجئت بذاك العجز القابع تحت مسام الحروف، يتنفسّه التعبير ولا يزفره.
 

هل هي الدهشة؟ ربما، نعم، رُسمت على وجوه الكلّ. أذكر كيف مسح بوفون، حارس إيطاليا، على رأس اللاعب الجزائري الفرنسي الذي ذرف دمعاً علقماً بعد مكابرة. مشى زيزو، وسنوات الاحتراف تهرول من كتفيه هاربة من رأسه المطأطأة. نظر الكأس إليه وربّت على ظهره وكأنه يقول" لربما كنتُ لك يا رجل!". النتيجة غير مهمة في تلك المواقف. لم يأبه لها أحد. توّجت إيطاليا باللقب، ونحن نخمّن: ماذا قال اللاعب الرقم 23 لزيزو حتى إنهى مسيرته على هذا النحو الدراماتيكي؟!

 

دموع الوعد المحتبسة
وإن كانت دموع زيدان هي للوداع، فلم تكن بهذه المأسوية بالنسبة إلى غيره ممن اختتموا مسيرتهم الكروية الساحرة. بيليه اعتزل منتصراً، رفع كأسه الثالثة العام 1970 في مونديال المكسيك. خرج مارادونا مطروداً، أسطورةٌ أَفُلتْ على أعتاب فضيحةٍ سرعان ما أغفلها عاشقوه. طردت" الفيفا" دييغو من مونديال أميركا 1994 بعدما أثبتت فحوص الدم تعاطيه مواد محظورة. وقف مارادونا أمام كاميرات الصحافيين حابساً دموعه: "لقد وعدتُ بناتي ألا أبكي".
 

بالأمس، ودّع رونالدو المستطيل الأخضر بتأثر. ليس وحده، معه محبوه الذين لن يحظوا به سوى في مقاطع فيديو تلخّص شريط ذكريات جيل بأكمله. 


لاعب كرة القدم ليس رياضياً يتفوق ويبهر فحسب. أصبح رمزاً وأيقونة وطنية تختصر نوستالجيا حقبة بأكملها. أمي التي أحبت المستديرة كرمى لمارادونا، ما زالت تشجع الأرجنتين، مستذكرة "اليد الإلهية" كل مباراة. تتحدث عنه بإعجاب حاضر، وتختتم بحزنٍ يلوي شفتيها: "بس طلع كله منشطات آخر شي!". يمرّ دييغو سريعاً، وحديث أمي عنه يعيده ليجالسنا كل مونديال.

بكى إبني مع ميسي الذي يحبّ، وضع صورته بروفايلاً للتلغرام مع وجوه دامعة وكتب: "ستذهب يا ميسي، إلا أنك باقٍ في قلوبنا للأبد". فهمته، فيما ردّد صوت المعلق أسماء كلوزيه وبادجيو ورونالدو. هؤلاء الذين صنعوا جزءاً من ماضٍ أعود لدفء أركانه كلّما لمحتهم.

 

دموع بلا مِلح
انشغل العلماء بدموع الفرح والحزن، فرأى بعضهم أنها تمتلك الخواص الكيميائية ذاتها، إلا أن نتائج مخبرية أظهرت أن دموع الفرح أقل ملوحة، وأكثر هشاشة فيزيائياً، تستجلبها العيون عند أي موقف يفوق قدرة صاحبها. وهذا ماحدث مع المصريين. بكاء جمعي ليس لفوزٍ عادي، بل هتفت معهم 92 سنة، وأنشدت فرحة فرعونية طال انتظارها. مصر التي شاركت في كأس لعالم 1934، عادت إليه هذا العام وقد بلغت دور الـ16 لمرّتها الثانية، لتجدد خلايا الأمل في جسد أنهكه الانتظار.

دموع فوز إسبانيا (غيتي)
دموع فوز إسبانيا (غيتي)

بكى مانديلا فرحاً حين اختيرت جنوب أفريقيا لتستضيف المونديال. أدرك عودة بلاده لحضن الحياة بعد صراعٍ مريرٍ من أجل الحرية، ونزاع أهلي كدّس آلاف الضحايا.  وحمل ميسي الكأس بيد، وبالثانية مسح دموع الصبر والانتظار بعدما أوصل بلاده إلى اللقب في مونديال قطر 2022.

 

دموع تخدش العدالة
في كل لعبة، احتمالان لا ثالث لهما، فوز أو خسارة. المظلومية التي تسعى "فيفا" لتقليصها مع ثقافة التكنو والذكاء الاصطناعي، أضحت عبئاً على العدالة حين يتم اللجوء إليها بانتقائية. انتقائية تتحسّس رائحة مؤامرة، حتى لو مُتخيلة، إلا أن الكيل بمكيالين يفرضها. هذا ما حصل مع المنتخب المصري عند إلغاء هدفه بعد اللجوء إلى تقنية Var أثناء مباراته مع المنتخب الأرجنتيني، في حين أُغفل الـVar  ذاته على حساب قرارات تحكيمية مستحقة لمصر.


ربما دموع المظلومية هي الأقسى. تحفر عميقاً لتُخلّد بالتقارير الإخبارية فوزاً يشوبه جدل، وخسارة بفعل تدخل بشري أو تقني هدفه محاباة جهة بعينها. والأكيد أن دموع التماسيح لا وجود لها في هذه اللعبة، فالحرقة والنشوة يحتكران الحرارة والحقيقة.

الاعتبارات السياسية والمصالح الاقتصادية تجعل كرة القدم موضع شكّ. تحول المونديال بنسخته الأخيرة، شجاراً دولياً. وفي المونديالات المقبلة، كم من هذه الدموع ستروي العشب؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث