صفعة الحياة الأولى

رؤى ابراهيمالخميس 2026/07/23
"أمومة" للانطباعي الفرنسي أوغست رونوار
"أمومة" للانطباعي الفرنسي أوغست رونوار
حجم الخط
مشاركة عبر

قطعة من شريط لاصق شفاف على الثدي الأيسر، وأخرى على الثدي الأيمن.. هكذا بدأت مع صغيرتي التي أتمّت عامها الأول، رحلة الفطام. تخيلت متخصصي التربية الحديثة مصدومين من طريقتي هذه، واستطعت سماع تحذيراتهم ومواعظهم عن الآثار النفسية والسلوكية التي سأخلفها في شخصية طفلتي جراء هذا الفعل، لكني تجاهلتهم وفعلت ما شعرت بأنه يجعل مرحلة الانفصال هذه أقل حدّة وأخف وطأة.

 

لم يكن التوقيت اختياراً مني، ولا مبنياً على جهوزية كاملة من الصغيرة، إلا أن فعل الرضاعة بدأ يأخذ منحىً غير صحي بعد انتهاء إجازة الأمومة واضطراري للعودة إلى العمل والغياب ثماني ساعات عن البيت. وكلما تقدّم بطفلتي الوعي، ازداد الموضوع تشوهاً وتعقيداً، حتى لم تعد الرضاعة فعل غذاء أو طلباً للقرب والأمان، بل تحولت تعلقاً قلقاً، من لحظة دخولي إلى البيت وحتى لحظة خروجي منه في الصباح التالي. لم يعد الليل ليلاً، حتى إن وزنها توقّف عند الرقم ثمانية...لكن لحظة: ها أنا أبرر الأمر مرة أخرى!

 

لا أنكر أني في لحظات إرهاق ويأس، صرخت بالفم الملآن: سأفطمها! لكني تعمّدت قول ذلك في حضور أمي أو جدتي أو والدة زوجي، منتظرةً سماع جوابهن الموحّد: حرام بكير، لسّة صغيرة... لأوافقهنّ وأتخلى عن الفكرة قبل أن أقدم عليها، وما دفعني للتنفيذ أخيراً إلا صمتهن المطبق بدلاً من عبارات النهي والثني.

 

في البداية، محاولتان فاشلتان. سمعت نصائح متخصصي التربية والإرضاع الطبيعي، تدرجت في الأمر، ونجحت في إلهائها خلال النهار، لكن الليل كان دائماً شمّاعة الفشل، لا شيء في العالم يعوض لها رضعة ما قبل النوم، وفي الحقيقة لا شيء يعوض لي أيضاً اختتام نهار طويل بتلك العينين المضيئتين تنظران إليّ من أسفل بكل امتنان، ولا الوقت المستقطع لرسم ابتسامة مخصصة لي قبل معاودة استكمال الالتقام، ولا ذلك النهم والاشتياق الذي لا يتغير مع كل رضعة. لقد بدت صغيرتي بذلك الانهماك الجاد مستعدة لأن تتخلى عن كل طعام العالم مقابل هذه الوجبة، وهذا ما فعلته حقاً. كنت أمسح رأسها الصغير وأفكر بأننا، نحن الأمهات، لا نتمسّك بفعل الرضاعة بحد ذاته، ولا بآلام الرقبة ووسط الظهر الذي يسببه الإرضاع الطويل، بل بذلك الشعور الحقيقي بالأهمية الذي يمنحه لنا إرضاع طفل، شعور عارم بالثقة والمكانة، لتأتي رحلة الفطام فتقوض ذاك الامتلاء، فيتهاوى كهرَم من الورق.

 

أمّ "تقهر" طفلها

تقول جدتي إن الفطام هو الصفعة الأولى من الحياة على خد الطفل. وتقول أخريات إن الفطام هو "القهر" الأول للطفل من أمه.. ثم ينتظرون منا بعد كل هذا أن نفطم أولادنا بسلاسة، أن نتناسى كوننا سبباً لقهرهم، وأن أيدينا ستكون عميلة الحياة التي تنتظر أن ندير وجوههم نحو كفها المرفوع. أفكار وتصورات كثيرة راودتني وجعلتني أتوصل في نهاية المطاف إلى فكرة الشريط اللاصق الشفاف. 

 

رفضتُ الدواء الدموي الأحمر الذي يحول مشهد الغذاء والأمان المعتاد إلى رعب طفلتي منه. ولم أشأ وضع الفلفل الحار فأغدر بشفتيها الصغيرتين، لكني أيضاً لم أجد لغة كافية لإقناعها وهي في هذه السن بأن الفطام بات حلاً لها قبل أن يكون لي، وأن رفضي الاستجابة لدموعها ونظراتها المتوسلة هو فعل من أجلها ستفهمه لاحقاً. لهذا اخترت الشريط الشفاف، شعرت بأنه وسيلة مناسبة لأقول لها أني معها، أريد ما تريد، لكني لا أستطيع.

 

حدثتها عنه بعد رضعة الوداع المطولة، وأريتها إياه قبل أن يداهمها الجوع. أخبرتها أشياء لم تفهمها بالطبع. استجبت لها كلما طلبت ثديي، وواسيتها كلما عجزت عن التقاطه. هكذا، نسيت أمره بسرعة لم أكن أتوقعها، وبقدرٍ لا يُذكر من البكاء والحزن، وبقدر لا يحصى من العناق والحب. لكن المشكلة بدأت تظهر لدي أنا! لم أستطع تقبل استغناءها عني بهذه البساطة، وأعترف أني ذكّرتها به مرات عديدة، وانتشيت باندفاعها نحو صدري وإلحاحها بتوق، ثم بكيت لاحقاً ضعفي وأنانيتي.

 

اكتئاب ما بعد الفطام

لم يخبرني أحد عنه سابقاً، "جيميناي" وحده فعل ذلك عندما حدثته عمّا أمر به، وبعد قراءات عديدة عرفت أنه سبب انطفائي وفقدان قدرتي على الرغبة في الأشياء. تراجعت شهيتي، وتأثرت أكثر من اللازم بمشكلات العمل بسبب حساسيتي الزائدة. الفطام كان بالنسبة إلي نقطة اللاعودة في مرحلة الأم البيولوجية. أنا التي خسرت رحمي أثناء الولادة، وها أنا ذا أختبر انسحاب الهرمونات للمرة الأخيرة. 

 

لم أشأ تخفيف حدة الأمر بحبة دواء واحدة، ولم أضع قطرة مطهر على التخرشات التي ظهرت عند إزالة اللاصق. تركت جسدي يختبر التحجّر والحرارة والألم إلى أقصاه، وأفسحت المجال أمام روحي لتخوض في عوالم التجوّف والخواء. لم أفعل لأجلي إلا شيئاً واحداً، هو تأجيل كتابة هذه المدونة لأسابيع عديدة، لأني في المرات السابقة عندما هممت بالكتابة، شعرت بالسائل الدافئ يبلل قميصي.

 

لقد مضت الآن بضعة شهور على رضعتنا الأخيرة، وخطَوت وصغيرتي في طريق النمو والنسيان، وطورنا لغات جديدة في التعبير عن الاشتياق والحب، وما زلت أحاول كل يوم أن أضيء عينيها بذلك البريق الفريد. أنظر إليها الآن وهي تتابع بسبابتها الصغيرة نملة تسير على الجدار، ثم أتلمس في جسدي موضع جنديَين متعبَين، وأطبطب على نفسي مستعيرة مونولوج بطلة هان كانغ في رواية "النباتية": "أنا بخير طالما هما بخير".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث