ناقشت الزميلة نور صفي الدين رسالتها للحصول على درجة الماجستير بعنوان "مقاربة الانتحار في الاعلام اللبناني" لفهم كيفية تغطية الإعلام اللبناني لمواضيع الانتحار بين العامين 2019 و2021 في نشرات الأخبار المسائية تحديداً.
وتكمن أهمية الفترة الزمنية التي تغطيها الرسالة، في أن لبنان شهد سلسلة أزمات، من تفشي وباء كورونا إلى انفجار مرفأ بيروت إضافة للأزمة الاقتصادية، علماً أن الدراسة هي الأولى من نوعها من حيث المنهجية والمقاربة باعتمادها تحليل المضمون واستمارة "تيمبوس" المعتمدة في كلية الطب بجامعة "ستنافورد"، في ظل ندرة الدراسات حول هذا الموضوع في المكتبة العربية.
وتناول البحث 24 تقريراً ٳخبارياً في النشرات المسائية لقناتَي "الجديد" و"المنار". وكانت لقناة "المنار" الحصة الأصغر (4 تقارير) رغم استمرار ارتفاع حالات الانتحار في الأعوام الثلاثة، لتسجل 150 في العام 2020، و145 العام2021، و138 العام 2022، مقارنة بالأعوام الممتدة بين 2012 و2017 حيث بلغ المعدل الوسطي للانتحار 128 حالة في العام الواحد.
وتوصلت نتائج الدراسة الى أن الاعلام يتعامل مع الانتحار بشكل ظرفي واستثنائي، حيث لم يسع إلى إنتاج واقع مغاير، بقدر ما أعاد تفسير الحدث، واختيار زاوية المعالجة والطرح تحديداً بما ينسجم مع رؤيته وما يؤمن به، إذ قامت الوسيلتين بتأطير معنى الانتحار وصل الى حد تبنيه كموقف سياسي من قبل المؤسسة الإعلامية.
وجاءت تغطية قناة "الجديد" ضارةً جداً، إذ أظهرت نتائج الدراسة أن 66% من التقارير ألقت المسؤولية على عاتق السلطة، فيما وضع 73% منها في الحزمة الأولى من النشرة، ما يعكس منحها أولوية تحريرية. كما استخدمت 93% من التقارير لغة اتسمت بتمجيد المنتحر، في حين اعتبرت 7% منها الانتحار جريمة.
وأوردت 80% من التقارير الوضع الاقتصادي بوصفه سبباً للانتحار، بينما ذكرت 86% منها أداة الانتحار، وجميعها تناولت الأسباب الخاصة بالحادثة. كذلك، ذكرت جميع التقارير منطقة وقوع حادثة الانتحار واسم المنتحر، باستثناء تقريرين اكتفيا بذكر الاسم مع الحرف الأول من اسم العائلة. واعتمدت جميع التقارير على الأهل والشهود والرفاق والزملاء كمصادر للمعلومات، فيما تمت الإشارة إلى 80% من هذه التقارير في عناوين مقدمة النشرة، ما يعكس مدى عدم التقيد بمعايير وٳرشادات منظمة الصحة العالمية، ودليل التغطية الصادر عن وزارة الصحة اللبنانية العام 2019.
أما تغطية قناة "المنار" فأتت مختلطة، إذ لم تشر مقدمة النشرة إلى تقارير الانتحار، كما وردت التقارير الثلاثة في النصف الثاني من النشرة ولم يحتل أي منها العناوين الأولى. وذكرت التقارير الثلاثة المنطقة التي وقع فيها الانتحار، فيما ذكر ثلاثة تقارير الاسم الكامل للضحية. كما أجرى تقرير واحد فقط مقابلة مع معالج نفسي، في حين اعتمدت ثلاثة تقارير على مقابلات مع شهود، وتضمن أحدها مصدراً من جهة رسمية. وأشار تقريران بصورة مباشرة إلى الأوضاع الاقتصادية، بينما اعتبر تقرير واحد أن الدولة تتحمل المسؤولية عن إيجاد الحلول. كذلك، ذكر تقرير واحد سبب الانتحار، وربط في الوقت نفسه بين الانتحار والوضع المعيشي وقطع الطرق، ما يعكس موقف المؤسسة الإعلامية من أحداث 17 تشرين الأول/أكتوبر في ذلك الوقت.
واعتبرت "الجديد" أن الانتحار بات احتجاجاً سياسياً مشروعاً ضد السلطة وفرصة لٳعادة ٳنتاج "ثورة البوعزيزي" في تونس، وأن الواقع الاقتصادي الذي نعيشه في لبنان هو السبب المباشر لجعل الانتحار آفة اجتماعية تهيمن على المجتمع اللبناني، ما يناقض معايير منظمة الصحة العالمية التي شملت ضرورة معالجة الانتحار على اعتباره مرضاً نفسياً يحتاج الى وقاية وتوعية. ومنحت القناة نفسها، الانتحار معنى بطولياً إلى حد اعتماد تعبير "شهيد" في ٳحدى مقدماتها الإخبارية.
أما "المنار" التي حاولت تارة الإضاءة على الجانب النفسي، وتارة ربط الانتحار بالظروف الاقتصادية، فتقصدت مقابلة معالجة نفسية في ٳحدى التقارير للوقوف عند "التغطية المفرطة" للٳنتحار في الاعلام اللبناني وعواقبها، مقابل قناة "الجديد" التي استضافت معالجاً نفسياً للوقوف عند "الانتحار المقنع"، ما يعكس توظيف الانتحار وكأنه نتاج مباشر للوضع العام بدلاً من التعامل معه من زاوية نفسية، الى جانب تأطير المقابلات لخدمة الخط التحريري المؤسسة الذي تراوحت معالجته بين المبالغة والتسطيح.




