لا يمكن النظر الى إشادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، برئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، من زاوية معزولة عن التفهم الأميركي للخصوصية اللبنانية التي ظهرت خلال استقباله الرئيس اللبناني جوزاف عون في البيت الأبيض، وكيل المديح له وللبنان.
هذا التفهم، ظهر بشكل واضح في التفافه على سؤال حول انضمام لبنان الى الاتفاقيات الابراهيمية، وفي تعهده بدعم الجيش اللبناني بعد دفاع الرئيس عون عن الجيش، مما يحبط كل المساعي السابقة التي قام بها المقربون من إسرائيل، وبينهم لبنانيون في الولايات المتحدة، للوشاية بالجيش وشن الحملات ضده.. فضلاً عن إصداره القرار المؤثر بافتتاح خط طيران مدني مباشر من مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت الى الولايات المتحدة، مما يعني تلاشي المخاوف الأمنية، خلافاً لكل الحملات على المطار.
مسار حوار بين عون و"حزب الله"
وبدا لافتاً إطراؤه على بري، ووصفه بأنه "شخص جيد"، ثم إقفال أبواب التواصل مع "حزب الله" من خارج المؤسسات، مما يعني افتتاح مسار حوار بين الحزب وعون، تحت شعار "طريق واشنطن يمر من بعبدا".. فبري، من وجهة نظر أميركية، هو ضمانة أمنية وسياسية، وقناة تواصل بين الشيعة والإدارة الأميركية من جهة، وضمانة استقرار داخل لبنان، استناداً الى وصف عون له بأنه "رجل دولة".
علاقة معقدة تاريخياً
ما يخفيه هذا الإطراء، يكشف طبيعة العلاقة بين واشنطن وبري التي لطالما كانت تاريخياً معقدة، لكنها تتضمن اعترافاً أميركياً بدور بري كقناة تفاوض أساسية. ذلك أن الإدارات الأميركية المتعاقبة تعاملت مع رئيس مجلس النواب، وعلى مدى سنوات، باعتباره الشخصية اللبنانية الأقدر على التواصل مع حزب الله من جهة، ومع مؤسسات الدولة اللبنانية من جهة أخرى، قاد الوساطات غير المباشرة بين واشنطن و"حزب الله" خلال الأزمات الأمنية، منذ اختطاف طائرة TWA في العام 1985، وصولاً الى دوره المحوري في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل العام 2022، وكان قناة الاتصال للتوصل الى اتفاق وقف إطلاق النار بعد حرب 2024.
وخلال الاتصالات الأميركية الأخيرة، كان بري الطرف اللبناني الذي نقل الرسائل المتعلقة بوقف العمليات العسكرية، سواء مع حزب الله أو مع الدولة اللبنانية، وهو ما جعل واشنطن تنظر إليه باعتباره مفتاحاً لأي تفاهم أمني.
التأثير بقرارات الحرب والسلم
من هنا، يعكس تصريح ترامب مقاربة عملية تقوم على أن بري، بحكم رئاسته للبرلمان وقيادته لـِ "حركة أمل" وعلاقته الوثيقة بـِ "حزب الله"، يبقى أحد الأشخاص القلائل القادرين على التأثير في القرارات المتعلقة بالحرب والسلم في لبنان. لذلك فإن أي إدارة أميركية تسعى إلى تثبيت التهدئة تجد نفسها مضطرة إلى التعامل معه، حتى في ظل وجود خلافات سياسية.
تعزز البراغماتية الأميركية، هذا الاعتقاد. فالرئيس الأميركي، لا يتعامل مع الأشخاص وفق نظرة إيديولوجية، بل تحكم المرونة السياسية هذا التعامل، وهو ما رُصد في سوريا وأفغانستان وغيرها.. وتالياً، فإن وصف بري بأنه "شخص جيد"، ينطوي على تأكيد الانفتاح الأميركي على الطائفة الشيعية، ويحمل ملامح اعتراف بأنه شريك يمكن التفاهم معه حتى لو لم يكن حليفاً للولايات المتحدة.
خلافاً لكل التسريبات السابقة، والعقوبات التي طاولت شخصيات مقربة من بري، يبني ترامب مساراً مع الشيعة، عبر بري، وعبر المؤسسات اللبنانية، وتحديداً رئيس الجمهورية الذي كرسته الزيارة شخصية محورية للتواصل بين لبنان والولايات المتحدة.




