أمّ غزاوية تكابد رحلة يومية بحثاً عن الماء: أزمة صحية خطيرة

المدن - ميدياالأربعاء 2026/07/22
تصطف العائلات لساعات بجانب شاحنات المياه المتهالكة للحصول على بضعة لترات من المياه (Getty)
تصطف العائلات لساعات بجانب شاحنات المياه المتهالكة للحصول على بضعة لترات من المياه (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في جنح الظلام قبل الفجر، تغادر ابتسام الحلو خيمتها على الساحل في غزة لتبدأ رحلتها اليومية للبحث عن الماء العذب، ورغم أنها على بعد خطوات قليلة من البحر المتوسط، فإن الماء الذي تحتاجه للطبخ والشرب والاستحمام يتطلب منها اجتياز مسافة طويلة.

 

وتنطلق الحلو (40 عاماً)، وهي أم لثلاثة أطفال، قبل أن ترتفع درجة الحرارة إلى 33 درجة مئوية في منتصف النهار، وتشق طريقها عبر الأحياء المدمرة حيث تنتشر أنباء عن احتمال توافر المياه، حسبما نقلت وكالة "رويترز". 

 

وقالت الحلو وهي تغسل أدوات المطبخ خارج الخيمة حيث تعيش أسرتها الآن: "أنا أسكن على شاطئ البحر، وهذه المياه قليلة جداً، أنا أعاني كل يوم. لو وصلنا إلى الميناء، ووصلنا إلى العمادي، ووصلنا إلى أبو مازن، وهي مناطق في مدينة غزة، فإننا نبحث عن مكان فيه مياه، لأنها لا تصل إلينا هنا إطلاقاً، إلا مرة كل ثلاثة أيام".

 

وتعكس معاناة الحلو واقعاً أوسع نطاقاً في أنحاء القطاع. وحذرت وكالات إغاثة ومسؤولون بالأمم المتحدة وسلطات الصحة الفلسطينية من أن قطاع غزة يواجه انهياراً غير مسبوق في أنظمة المياه والصرف الصحي، ما يترك كثيراً من السكان عالقين بين العطش المستمر وأزمة بيئية أبعد مدى ربما تستمر تداعياتها لعقود. وتصطف العائلات لساعات بجانب شاحنات المياه المتهالكة للحصول على بضعة لترات من المياه، قبل العودة إلى مخيمات من الخيام المكتظة والمنكوبة بالأمراض. 

 

وبسبب النقص في الاحتياجات، تغيرت حتى عادات الطفولة. فقبل الحرب كان أطفال الحلو التسعة، يغتسلون بالماء العذب ثلاث مرات يومياً في حرارة الصيف في غزة، أما الآن فإنهم يغتسلون مرة واحدة في الأسبوع إذا حالفهم الحظ. ويلجأ العديد من الأطفال في القطاع إلى البحر للفرار من حرارة الجو، لكن الحلو قالت أن لهذا ثمناً يأتي لاحقاً. وأكملت: "في اليوم الذي يسبح فيه أولادي في البحر، أحتاج إلى خمسين شيكلاً لعلاج كل منهم، لأنهم أصبحوا يعانون الحساسية بسبب البحر، إضافة إلى الحكة، وظهر لديهم الجرب، وظهرت لديهم الحساسية".

 

وفي الوقت الذي تكابد فيه الأسر للحصول على ما يكفي من المياه اللازمة للحد الأدنى من النظافة الشخصية، حذر مسؤولو الصحة من أن مياه الصرف الصحي غير المعالجة من مئات الآلاف من حفر الصرف الصحي تتسرب إلى طبقة المياه الجوفية الساحلية في غزة، وهي المصدر الطبيعي الوحيد للمياه العذبة.

 

ويعود الأطفال المصابون بالإسهال والتهابات الجلد من العيادات إلى الخيام التي تفتقر إلى المياه النظيفة والصابون ومرافق الصرف الصحي. ويعتمد السكان بشكل متزايد على المياه المنقولة بالشاحنات وعلى الآبار المتضررة والمياه الجوفية غير المعالجة.

 

وبحسب تقييمات الأمم المتحدة، فإن أكثر من نصف سكان غزة، أي حوالي 1.3 مليون نسمة، لا يحصلون إلا على أقل من ستة لترات من مياه الشرب يومياً للفرد. ويستخدم السكان مياهاً مالحة غير صحية للاستحمام وغسل الملابس.

 

وقالت منظمة "أطباء بلا حدود" غير الحكومية أن بياناتها تشير إلى أن الوضع ربما يكون أسوأ، حيث يحصل معظم السكان على 4.3 لتر من المياه للفرد يومياً في المتوسط. وقبل الحرب، كان متوسط استهلاك المياه اليومي حوالي 85 لتراً للفرد. وعلق مدير مكتب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في غزة أليساندرو مراكيتش: "مازال الناس يصطفون وينتظرون وصول شاحنات توزيع المياه. إنها عملية صعبة ومعقدة للغاية نظراً للاضطرار للمرور عبر الأنقاض. يجب الوصول إلى السكان حيثما كانوا".

 

ومع ارتفاع درجات الحرارة، تتزايد المخاوف الصحية. وقال مدير عمليات الطوارئ في "أطباء بلا حدود" في هولندا أوزان أغباس: "عدم توافر المياه الكافية يؤثر بشكل مباشر في صحة الناس وقدرتهم على الحفاظ على الحد الأدنى من النظافة الشخصية". وقالت "أطباء بلا حدود" أن التهابات الجهاز التنفسي الحادة تمثل 46% من الحالات المرضية المسجلة في بيانات المراقبة لدى المنظمة، بينما تمثل الأمراض الجلدية 31% والإسهال المائي الحاد 21%.

 

وأشار المسؤولون الفلسطينيون إلى أن الأزمة تتجاوز بكثير مجرد نقص مياه الشرب، وحذروا من أن كل يوم تمر فيه الأزمة من دون حل يزيد من تفاقم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للمياه في غزة، وربما يترك ذلك عواقب تستمر لعقود.

 

وأفاد مسؤول مراقبة الصرف الصحي ومياه الصرف في وزارة الصحة بغزة، سعيد العكلوك، بأن القطاع كانت فيه حوالي 320 بئراً قبل الحرب، لكن ما يعمل منها الآن أقل من 100 بئر. وأضاف أن حوالي 80% من شبكة توزيع المياه وغالبية محطات التحلية تضررت أو دمرت جراء الهجمات الإسرائيلية.

 

من جهته، قال الجيش الإسرائيلي أنه لا يتعمد مهاجمة البنية التحتية الحيوية. وذكرت وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق، وهي هيئة تابعة للجيش الإسرائيلي مسؤولة عن الشؤون الإنسانية، في 9 تموز/يوليو أنها تعمل مع وكالات دولية لمعالجة مشاكل الصرف الصحي والنظافة العامة وتحسين إمدادات المياه في القطاع.

 

وأدى وقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر الذي توسطت فيه الولايات المتحدة إلى توقف القتال واسع النطاق لكنه لم يوقف هجمات إسرائيل التي تقول أنها تستهدف حركة "حماس" ومسلحين آخرين في غزة يشكلون تهديداً وشيكاً. وبعد شهور على وقف إطلاق النار، مازالت شاحنات المياه تشكل شريان حياة للكثيرين، لكن منظمات الإغاثة تقول أنها لا تستطيع أن تحل مكان منظومة المياه العمومية.

 

ومع وصول الشاحنات، يصطف الأطفال والنساء والرجال لملء عبوات بلاستيكية يحملها البعض على ظهورهم أو أكتافهم. بينما ينقل آخرون الماء في عربات صغيرة يدوية الصنع. ويستحم كثيرون ممن يعيشون في الخيام على الساحل في مياه البحر، رغم مخاوف واسعة النطاق من التلوث. وبالنسبة لأولئك الذين يصابون بالعدوى، تقول وكالات الإغاثة أن الرعاية الطبية غير كافية.

 

وأوضح أغباس أن المرضى يعودون من العلاج إلى ملاجئ مكتظة يصعب فيها الحصول على المياه النظيفة والصابون والصرف الصحي، ما يشكل ظروفاً لتكرار المرض وتجدد العدوى. وذكر مسؤولو الصحة أنه تم رصد ما لا يقل عن خمسة آلاف حالة من الجدري المائي أسبوعياً خلال الشهر الماضي.

 

وفاقم انهيار أنظمة الصرف الصحي، الأزمة. وقال العكلوك أن أكثر من 300 ألف "حفرة امتصاصية" تسرب مياه الصرف الصحي غير المعالجة في طبقة المياه الجوفية الساحلية في غزة، وهي المصدر الطبيعي الوحيد للمياه العذبة في القطاع. وأضاف: "اليوم، وللمرة الأولى، فقدنا فعلياً السيطرة على مصادر المياه لدينا. هذا أسوأ وضع شهدته غزة على الإطلاق".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث