في الطريق المؤدي الى بلدة الناقورة الساحلية في جنوب لبنان، يرفرف علم إسرائيلي على طريق رئيسي مواجه للبحر، قبل أمتار من بوابة استحدثتها إسرائيل وتشكل عملياً المدخل الى منطقة أمنية أعلنتها على طول حدودها.
وبينما وصل موكب يضم صحافيين من وسائل إعلام أجنبية متعددة في إطار جولة منظمة من جمعية "عمل الشرق" (L'Oeuvre d'Orient) الفرنسية، إلى البوابة في منطقة الناقورة الحدودية، طلب جندي إسرائيلي من شرفة منزل مجاور بالانجليزية وعبر مكبر صوت، من الموكب المغادرة قائلاً: "عودوا أدراجكم. لا إذن لديكم للعبور"، حسبما نقلت وكالة "فرانس برس".
وكانت الجمعية التي تنشط في تقديم مساعدات الى سكان المناطق الحدودية المسيحية في جنوب لبنان، قالت أنها استحصلت على الأذونات اللازمة من قوة الأمم المتحدة الموقتة في جنوب لبنان "يونيفيل" للوصول الى بلدات في عمق المنطقة التي تحتلها إسرائيل.
وللمرة الأولى، تمكن فريق "فرانس برس" من معاينة علم وجنود إسرائيليين بالعين المجردة. وعلى جانب الطريق المؤدي الى المنطقة، انتشرت أعلام لبنانية ورايات "حزب الله" الصفراء التي بهتت ألوانها وتمزقت بعد شهور من حرب مدمرة بين إسرائيل و"حزب الله" على خلفية الحرب مع إيران. أما الطريق فخلت من الأسفلت نتيجة مرور الدبابات عليها، فيما تُلحَظ طرق ترابية فرعية مستحدثة.
وتفصل مسافة تتجاوز الخمسة كيلومترات بين آخر حاجز يشغله الجيش اللبناني قرب بلدة القليلة، والنقطة الإسرائيلية المستحدثة في الناقورة. وبين النقطتين، بدا مقر قيادة لواء المشاة الخامس التابع للجيش اللبناني وحاجز بقربه، خاليَين من عناصرهما. وبدت المنطقة الفاصلة بينهما مقفرة، تخترقها بين الحين والآخر دوريات "يونيفيل".
وقرب البوابة الحديدية الصفراء، سواتر ترابية تستكمل إغلاق الطريق. وشاهد فريق "فرانس برس" ثلاثة جنود إسرائيليين على الأقل في شرفة المنزل المؤلف من طبقتين. طلب أحدهم من الموكب أن يعود أدراجه، بينما تولى جندي آخر المراقبة عبر منظار. وبدا جندي ثالث، وهو يضع وشاح الصلاة.
وأظهرت صُوَر، نافذة تحيط بالشرفة، كتدبير وقائي على الأرجح للحماية من المسيرات التي كثف "حزب الله" استخدامها في إطار مواجهته مع القوات الإسرائيلية منذ بدء الحرب الأخيرة مع إسرائيل في 2 آذار/مارس الماضي. وبدا بستان واسع يفصل المنزل عن الطريق الساحلي، واقتلعت أشجار الموز منه.
وكانت جمعية "عمل الشرق" تعتزم، الإثنين، التوجه مع الصحافيين برفقة مديرها العام المونسنيور أوغ دو فيلمون الآتي من فرنسا، الى بلدات دبل ورميش وعين إبل المسيحية القريبة من الحدود الإسرائيلية، لتدشين مساحة رياضية بتمويل مشترك مع الكتيبة الفرنسية في قوة اليونيفيل، لتأمين متنفس لشباب المنطقة التي لا يمكن الدخول أو الخروج منها من دون إذن مسبق.
وعاد الموكب أدراجه كيلومترات، وانتظر لساعات قرب مقر للكتيبة الإيطالية. وبعد اتصالات مع "يونيفيل" أبلغت الجمعية الصحافيين بأن الجانب الإسرائيلي يرفض دخول الصحافيين. وتزور الجمعية بانتظام هذه البلدات لإيصال مساعدات وتقديم الدعم لسكانها. وتوجهت قوة من الكتيبة الفرنسية بمفردها الى البلدة لافتتاح المشروع.
وأبدى المونسنيور دو فيلمون أسفه لعدم تمكن الموكب من مواصلة طريقه، ومعاينة "المشروع الجميل"، والتأكيد للأهالي "أننا لا ننساهم، وأن شهادتهم الشجاعة بالبقاء في قراهم هو بالنسبة لنا شهادة جميلة يقدمونها".
وقال مدير الجمعية في لبنان فانسان جيلو للصحافيين: "من دون تلك القرى، لن يبقى أي لبنانيين في ذلك الجزء من لبنان"، في إشارة الى المنطقة التي تصنفها إسرائيل "منطقة أمنية"، وتمنع سكانها من العودة اليها. وتابع: "لذلك، فإن وجودهم هو وجود من أجل لبنان كله، وليس من أجل المسيحيين وحدهم".
ونشر الجيش الإسرائيلي في 18 حزيران/يونيو، غداة توقيع واشنطن وطهران اتفاقاً لوقف الحرب بينهما يشمل جبهة لبنان، خريطة ما سماها "المنطقة الأمنية" في جنوب لبنان، حيث تنتشر قواته بعمق عشرة كيلومترات، تشمل شريطاً حدودياً يضم عشرات البلدات والقرى معظمها ذات غالبية شيعية. وتقع الناقورة، حيث المقر الرئيسي لقوات "يونيفيل"، ضمن هذه المنطقة.
وأبرم لبنان وإسرائيل في 26 حزيران/يونيو اتفاق إطار نص خصوصاً على نزع سلاح "حزب الله" وانسحاب إسرائيل تدريجياً من الأراضي التي توغلت فيها جنوبي لبنان، وانتشار الجيش اللبناني بدءاً من منطقتين تجريبيتين، وأعلنت الخارجية الأميركية بدء تطبيقه، الإثنين. ورغم توقيع الاتفاق، يكرر مسؤولون إسرائيليون أن قواتهم لا تعتزم مغادرة المنطقة الأمنية في وقت قريب.
وقال العقيد ماكسيم لوديه من الكتيبة الفرنسية للصحافيين بعد عودته من عين إبل: "ما يريده السكان هناك هو أن يعيشوا. وهم منزعجون لأن التواصل بات، بحكم الأمر الواقع، معقداً" مع بقية المناطق اللبنانية.




