لم يكن نهائي بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026 بين إسبانيا والأرجنتين مجرد محطة أخيرة في سباق كروي محموم، بل تحول في الأيام والأسابيع التي سبقت صافرة البداية إلى مساحة عميقة لاستدعاء الرموز وتصفية الحسابات السياسية خلف الستار الرياضي.
ووجد مشجعون عرب ومسلمون أنفسهم أمام منتخبين يمثل كل منهما، في الخيال السياسي والوعي الجمعي الراهن، حكاية مغايرة تماماً عن الآخر، وصورة تتناقض بالكامل مع نظيرتها، حسبما نقلت "وكالة الأنباء الألمانية".
وبين الأرجنتين التي يقودها خافيير ميلي، الذي جعل من الانحياز الصريح والمطلق لإسرائيل الركيزة الأوضح والأكثر إثارة للجدل في سياسته الخارجية، وإسبانيا حيث اتخذت حكومة بيدرو سانشيز موقفاً ناقداً بحدة للحرب في غزة توّج بالاعتراف الرسمي بدولة فلسطين في أيار/مايو 2024، تمددت اللعبة خارج الخطوط البيضاء للمستطيل الأخضر.
وأصبحت المواجهة لدى قطاع واسع من الجمهور أشبه بمواجهة سياسية بالوكالة. ولم يعد النقاش في المقاهي والمنصات الرقمية مقتصراً على الهوية الكروية الأفضل أو من يملك التكتيك الأقوى، بل امتد ليتساءل في العمق، أي موقف سياسي، وأي سردية إنسانية تتعمد تلك الجماهير أن تراها تنتصر في النهاية؟
ولم تأت الحاضنة الشعبية الجارفة والجديدة لإسبانيا في الأوساط العربية والإسلامية من فراغ، فالمواقف الدبلوماسية الشجاعة لمدريد جعلتها تبدو في نظر ملايين المشجعين عاصمة أوروبية استثنائية تحلت بالنزاهة الأخلاقية في توقيت إنساني حساس. وجعل الزخم السياسي من تشجيع منتخب إسبانيا في النهائي أكثر من مجرد إعجاب بمهارات الفريق، وتحول إلى وسيلة رمزية تضامنية للتعبير عن الانتماء للموقف ذاته، ومكافأة شعبية لدولة تجرأت على السباحة "عكس التيار الغربي التقليدي".
في المقابل، بدا قميص الأرجنتين محاطاً بسياق سياسي معقد ومثير للنفور لدى الكثيرين، فلم يكن الانقسام نتيجة الموقف الرسمي لبوينس آيرس فحسب، بل لأن المنتخب بات محاطاً داخل إسرائيل بتأييد إعلامي وسياسي جارف. وتجسد ذلك بشكل علني عشية النهائي، حين استقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سفير الأرجنتين وتلقى منه قميص المنتخب الأرجنتيني، موجهاً رسالة دعم مباشرة للرئيس ميلي واصفاً إياه بالصديق الحقيقي.
وبالنسبة لكثير من المشجعين العرب أو المسلمين، تحولت المسألة تلقائياً إلى معادلة بصرية بسيطة في مدرجات وصالونات الشرق الأوسط. إسرائيل تتخندق خلف الأرجنتين، وإسبانيا تناصر فلسطين، وبالتالي فإن تشجيع إسبانيا كان بالنسبة إلى أولئك موقفاً مبدئياً، حتى وإن كانت تفاصيل كرة القدم في جوهرها أعقد بكثير من ذلك الاختزال الثنائي.
ولم يفلت النجوم الكبار من مقصلة السجال الرقمي والسياسي، وكان من الصعب أن تبقى المواجهة بعيدة من الهالة الطاغية لليونيل ميسي، لأنه يشكل الهوية البصرية الحية لبلاده. ومع تصاعد التسييس، أعاد الشارع العربي فتح ملفات الشراكات التجارية السابقة للأرجنتيني في إسرائيل، مستحضرين تعاقده العام 2020 ليكون سفيراً دولياً لشركة "أوركام تيكنولوجيز"، التي تتخذ من القدس مقراً لها، وقبلها شراكة ترويجية أخرى مع شركة التكنولوجيا "سيرين لابس" العام 2017.
هذه العلاقات الاستثمارية، إلى جانب زيارات ميسي السابقة لحائط البراق ولقاءاته الرسمية مع مسؤولين هناك، أخرجت من سياقها التجاري والرياضي القديم لتعاد قراءتها شعبياً باعتبارها جزءاً من الاصطفاف السياسي الراهن. ورغم أن الارتباطات استثمارية وتسويقية ولا تعني تلقائياً تبنياً لمواقف الحكومة الإسرائيلية، على الأقل ما دام ميسي حريصاً على عدم إظهار ذلك للعلن، فإن الوعي الجمعي أعاد قراءتها في ظل الاستقطاب الراهن، مؤكداً أن النجومية الطاغية تجعل حياة اللاعب خارج الملعب جزءاً من الصورة التي يحاول الجمهور تفكيكها.
على النقيض تماماً، صعد النجم الإسباني الشاب لامين يامال ليمثل رمزية مغايرة تماماً، فاللاعب اليافع الذي حظي باحتفاء استثنائي في المنطقة العربية بدا قريباً من الوجدان الشعبي بخلفيته الثقافية وجذوره المغربية. وتعمق الارتباط بعدما أعاد المشجعون تداول مشهد رفعه العلم الفلسطيني خلال احتفالات ناديه السابقة، وهو الموقف الذي أشاد به رئيس الحكومة الإسبانية آنذاك معتبراً إياه انعكاساً حقيقياً لمشاعر ملايين الإسبان.
وفي مواجهة الموجة العارمة من التسييس، لم يقف عشاق الأرجنتين التقليديين في العالم العربي مكتوفي الأيدي، بل تحركوا بذكاء لاستدعاء التاريخ الفكري والإنساني الأصيل للفريق، متسلحين بصورة الأسطورة الراحل دييغو مارادونا وموقفه التاريخي الشهير عندما احتضن رئيس السلطة الفلسطينية قائلاً: "في قلبي، أنا فلسطيني".
كان ذلك الاستدعاء بمثابة خط دفاع تكتيكي أخير وضعه المشجعون للإصرار على أن قميص المنتخب هو ملك الشعوب والفقراء والجمهور، ولا يمكن اختزاله أو رهنه لتوجهات حكومة يمينية عابرة يمثلها خافيير ميلي، تماماً كما لا تُختزل إسبانيا كاملة في شخصيات مسؤوليها.
بالتأكيد، لم يكن هناك إجماع عربي مطلق خلف إسبانيا، فالجماهير ليست كتلة واحدة، وظل ميسي يحتفظ بعشاقه الذين رفضوا بشكل قاطع تحميل المستطيل الأخضر أوزار السياسة وصراعات الحروب، لكن الأكيد واللافت أن نهائي مونديال 2026 أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن كرة القدم الحديثة لا تحتاج إلى إذن رسمي لتتحول إلى مرآة تعكس تعقيدات العالم المعاصر وقضاياه المصيرية.




