تعرض الطبيب أحمد شريف خاسكي للضرب والإهانة داخل مشفى الوليد في حي الوعر بمدينة حمص، ثم اقتيد إلى مركز الشرطة، على خلفية اتهام مريضة له بالتحرش أثناء فحصها. وتداولت صفحات في مواقع التواصل لاحقاً أن الشرطة أطلقت سراحه وأوقفت السيدة، فيما قيل إن القضاء لم يجد سنداً كافياً للاتهام.
ومازالت تفاصيل الحادثة تنتشر ضمن روايات متضاربة في ظل غياب بيان رسمي منشور عن قيادة الأمن الداخلي في حمص أو إدارة مستشفى "الوليد" أو مديرية صحة حمص، يشرح أسباب توقيف الطبيب، أو الجهة التي قررت إطلاق سراحه، أو الوضع القانوني للسيدة. كما لم يصدر أي تأكيد رسمي للرواية القائلة إن القضاء برّأ الطبيب أو أمر باعتقال المريضة.
ولا تتوافر معلومات رسمية تؤكد اختصاص خاسكي رغم تقديمه في منشورات متداولة على أنه طبيب أمراض نسائية، أو تحدد طبيعة الفحص الذي أجراه، وما إذا كانت ممرضة حاضرة، وهل شرح الإجراء للمريضة وحصل على موافقتها؟ وهي تفاصيل أساسية للفصل بين فحص طبي مشروع وتجاوز يمكن أن يرتب مسؤولية جزائية أو مهنية.
حملة طائفية سبقت التحقيق
وسبق الاعتداء على الطبيب منشور منسوب إلى خالد التلاوي، طالب فيه باعتقال الطبيب وسجنه وطرده من الوظيفة، واستخدم شتائم طائفية وربط الاتهام بهويته الطائفية. وامتدت الحملة إلى تخوينه بسبب عمله في المستشفى خلال عهد الأسد، من دون تقديم حكم قضائي أو أدلة تثبت مشاركته في جريمة.
ويمكن التحقيق مع كل من عمل في مؤسسات النظام السابق متى وجدت أدلة على تورطه في قتل أو تعذيب أو فساد، وتبقى المسؤولية فردية، لكن العمل في مستشفى حكومي لا يشكل وحده دليلاً على ارتكاب انتهاك، والانتماء الطائفي لا يصلح قرينة اتهام، ومسؤولية الدولة أن تتحقق من شكوى المريضة، وحماية الطبيب من الانتقام والتشهير، والتحقيق مع من اعتدوا عليه أو حرّضوا ضده.
ومنحت الحملة التي سبقت التحقيق، مواقع التواصل الاجتماعي، وظيفة المحكمة باختيار المتهم وتحديد الجريمة وإصدار العقوبة، وبعد ذلك، طالبت الشرطة بالتدخل بعد تنفيذ جزء من الحكم داخل المستشفى. وكأن الرسالة الموجهة إلى الدولة تقول: أنت دولة القانون، لكن على القانون أن يمر أولاً من تحت أيدينا، وهو فعل ينتج عنه وهم القصاص مرتين، مرة بالضرب والإهانة والتشهير، ومرة أمام القضاء إذا ثبت الاتهام.
ستة أوصاف قانونية مختلفة
لا يستخدم قانون العقوبات السوري مصطلح "التحرش" بوصفه جريمة مستقلة ذات تعريف جامع، لكنه يجرّم أفعالاً تدخل ضمنه. فالمادة 505 تعاقب على لمس أو مداعبة امرأة تجاوزت الخامسة عشرة بصورة منافية للحياء ومن دون رضاها، فيما تتناول المادة 506 عرض فعل منافٍ للحياء أو توجيه كلام مخل بالحشمة. ويتطلب تطبيق النصين فحص طبيعة الفعل والسياق والموافقة والأدلة المتاحة، وليس الاكتفاء بالتسمية التي يضعها أي طرف على ما جرى.
أما الخطأ الطبي فيرتبط بمخالفة الأصول العلمية أو الإهمال بما يسبب ضرراً، ويحتاج إلى خبرة فنية تثبت الخطأ وعلاقته بالنتيجة. وقد يقع إخلال بآداب المهنة، مثل انتهاك الخصوصية أو عدم شرح الفحص وتوثيق الموافقة، من دون توافر عناصر جريمة جنسية أو خطأ طبي أدى إلى ضرر.
والافتراء، بحسب خبراء القانون، يحتاج إلى إثبات أن شخصاً قدم شكوى أو إخباراً عن جريمة وهو يعرف براءة المتهم، أو اختلق أدلة ضده. لذلك، لا تصبح شكوى المريضة افتراء لمجرد ضعف الأدلة أو انتهاء التحقيق من دون اتهام. أما ضرب الطبيب فيبقى اعتداء جسدياً مستقلاً، وتعتمد مسؤوليته القانونية على طبيعة الإصابة ومدة التعطيل عن العمل.
ولا يوجد حتى الآن قانون سوري مستقل للمسؤولية الطبية، إذ تطبق أحكام القانونين المدني والجزائي. وفي تموز/يوليو 2026، وقعت وزارات العدل والصحة والتعليم العالي وثيقة لإعداد قانون خاص، وإدراج نصوص تلزم بالحصول على الموافقة المستنيرة، وتوحيد السجلات الطبية، وإنشاء لجان خبرة ونظام آمن للشكاوى، مع دراسة حماية الأطباء والمنشآت من التشهير الإلكتروني.
كيف تسير الشكوى؟
يبدأ المسار الصحيح بتسجيل إفادة المريضة وحماية خصوصيتها، ثم الاستماع إلى الطبيب والممرضين والمرافقين، ومراجعة السجل الطبي ونوع الفحص وضرورته، والتحقق من وجود كاميرات في الممرات، وإحالة الجانب المهني إلى لجنة مختصة، فغياب شاهد داخل غرفة الفحص لا يسقط الشكوى تلقائياً، كما أن إطلاق سراح الطبيب لا يساوي حكماً نهائياً ببراءته ما لم تتضح الجهة التي اتخذت القرار وأسبابه.
قد يتطلب الفحص الطبي في بعض الحالات لمس مناطق حساسة، وتبقى مشروعيته مرتبطة بالحاجة الطبية وشرح الإجراء وموافقة المريضة واحترام خصوصيتها، والتوقف عند سحب الموافقة. ويمكن للمريضة طلب طبيبة أو حضور ممرضة متى كان ذلك متاحاً.
أما منع الأطباء الذكور من فحص النساء أو إجراء عمليات الولادة بصورة عامة، فقد يؤخر العلاج في الحالات الحرجة ويضاعف العمل على الطبيبات، فالدفاع عن حق امرأة في الاختيار لا ينبغي أن ينتهي بتحميل طبيبات أخريات عبئاً غير متكافئ، أو بحرمان المريضات من الرعاية عند نقص الكادر.
مؤسسات بلا حماية
لا حصيلة وطنية منشورة للاعتداءات على الكوادر الطبية والتدريسية منذ سقوط الأسد، لكن الوقائع الموثقة تكشف اتساع المشكلة. فقد سجل مشفى بصرى الشام في درعا سبعة اعتداءات جسدية خلال شهرين، وأوقف كادره العمل بعد تهديدات مسلحة. وأضرب أطباء مستشفى حلب الجامعي بعد إصابة زملاء بكسور وجروح، واقتحم مسلحون مشفى الأطفال الجامعي في دمشق واعتدوا على كادر العناية المركزة، فيما أوقف قسم الطوارئ في دير الزور استقبال الحالات المسائية بسبب تهديدات متكررة. وشهدت السويداء وقفة طالبت بمنع السلاح وتفعيل شرطة المشافي.
وامتدت الظاهرة إلى المدارس. ففي تشرين الأول/أكتوبر 2025، تعرض مدير ثانوية المزيريب في درعا وأفراد من الكادر الإداري والتدريسي للضرب، وأعلنت مديرية التربية فصل الطالب المتورط وإحالته مع المشاركين إلى القضاء وتنصيب نفسها مدعية.
وتعتبر حادثة ضرب الطبيب داخل المستشفى من أكثر الحوادث خطورة حتى الآن، لأن استخدام القوة قد يدفن الملف القضائي قبل أن يبدأ، ويهدد سلامة العاملين والمرضى معاً، وهنا يجب الوعي بأن حماية الكوادر لا تعني منحهم حصانة من الشكاوى، وحماية المريض لا تمنح ذويه حق اقتحام المنشأة أو تنفيذ العقوبة بأيديهم، وهو ما يتحقق عبر حراسة فعلية ومنع دخول السلاح وتأمين خط واضح للشكاوى، واستجابة سريعة تمنع تحول الخلاف الطبي إلى مواجهة أهلية.




