في غرف اللياقة البدنية (Gym) ، ينهمك الرجال في رفع أوزان حديدية ثقيلة. يراقبون في المرايا تضخم عضلاتهم بوجوه متشنجة وقلق مكتوم. في المقلب الآخر، تجلس النساء خلف شاشات الهواتف، يحسبن السعرات الحرارية، يطاردن شبح "النحافة المطلقة"، ويمارسن تجويعاً ذاتياً منظماً للوصول إلى الجسد الخالي من أي "عيب".
في الظاهر، يبدو المشهد وكأنه من سوق تجاري تقليدي يقوم على العرض والطلب: الرجال يضخمون أجسادهم لجذب النساء، والنساء ينحفن أجسادهن لنيل إعجاب الرجال. لكن الصدمة الحقيقية تكمن في ما تكشفه الدراسات النفسية والاجتماعية. فالمرأة، في الحقيقة، لا تفضل الرجل "المفرط في العضل"، والرجل لا يجد المرأة "المفرطة في النحافة" جذابة. إذن، وإذا كان الآخر لا يريد هذا "الكمال" الشكلي، فلمن يجوع هؤلاء؟ ولمن يستعرض أولئك؟
ربما تكمن الإجابة في أن معايير النجاح التقليدية أصبحت أكثر هشاشة. في أجيال سابقة، كان بإمكان الرجل أن يعرف موقعه الاجتماعي من خلال عمله، أو دخله، أو دوره التقليدي داخل الأسرة. أما اليوم، فكل هذه المعايير باتت أقل استقراراً. الوظائف تتغير، الاقتصاد ينهار، العلاقات تتبدل، والمستقبل نفسه أمسى كابوساً غير قابل للتوقع.
في عالم مهزوز كهذا، يبدو الجسد واحداً من الأشياء القليلة جداً التي ما زالت قابلة للقياس والسيطرة. لا يمكنك التحكم في التضخم، ولا في الحروب، ولا في مستقبلك، لكن يمكنك تماماً التحكم بعدد السعرات الحرارية التي تتناولها، وبعدد الكيلوغرامات التي ترفعها، وبنسبة الدهون في جسمك.
لذلك، يرى علماء النفس أن هوس اللياقة البدنية المعاصر يتعلق بالحاجة الشرسة إلى الإحساس بالسيطرة في عالم يتسرّب من بين أيدينا.
هنا يصبح مفهوماً لماذا لا تنتهي هذه الرحلة أبداً. فإذا كان الهدف هو إعجاب النساء، فهناك نقطة منطقية يمكن الوصول إليها والتوقف عندها. أما إذا كان الهدف هو علاج الشعور بالنقص والبحث عن الكفاية، فالمشكلة أن هذا الشعور لا يملك خط نهاية واضحاً.
لهذا بدأت الأبحاث تتحدث عن ظاهرة متزايدة تُعرف باسم "السعي إلى العضلية" (Drive for Muscularity). وهي حالة يتحول فيها بناء الجسد إلى مشروع قسري مستمر لا يكتمل أبداً. كلما اقترب الرجل من الصورة التي يريدها، ظهرت صورة أخرى أبعد. وكلما تضخمت العضلات، تضخمت معها المسافة بين ما هو موجود فعلياً، وبين ما يعتقد أنه يجب أن يكون موجوداً ليثبت "رجولته".
والمفارقة الهزلية تكمن في ذلك المشهد الكاريكاتوري للرجل الذي يتجاوز كل الحدود المعقولة في التضخيم. ترى ذراعاً بحجم جذع شجرة، وكتفَين يزاحمان الجدران، كتل تتغذى على هرمونات النمو (Growth Hormones) والمكملات الغذائية. لكنك حين تفتح معه نقاشاً، تكتشف أن هذا التمدد المادي الهائل جاء غالباً على حساب المساحة المتبقية للعقل. كأن نمو العضلات يتناسب عكسياً مع نمو الفكر، ليصبح الجسد مجرد بالون منفوخ يفتقر إلى وزن حقيقي، عضلات مرعبة تقودها ذهنية طفل يبحث عن انتباه، ورأس صغيرة فوق كتفَين عملاقَين، عاجزة عن استيعاب أن هذا الاستعراض لا يصنع رجلاً، بل مجرد ظاهرة صوتية ومرئية.
هوس الرجال بالعضلات، يتجلى في حقيقة غير متوقعة: كثيرون لا يبنون أجسادهم من أجل النساء، بقدر ما يبنونها من أجل رجال آخرين. كأن الرجل لا يطارد رغبة المرأة، بل يطارد - باستماتة - إعجاب الذكور الآخرين في النادي. الأمر في عمقه يشبه سباقاً داخلياً قسرياً بين أبناء الجنس الواحد: من يملك أكتافاً أعرض؟ من يرفع أوزاناً أكبر؟
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هذا الهوس، على مرارته، تحول إلى إعلان يومي عن "الانضباط والإرادة والسيطرة". في زمن الضياع العام، يجد هؤلاء الشبان في الـGym المساحة الوحيدة التي تُكافئ الالتزام. أن تلتزم بمواعيد الحقن، وبجرعات البروتين، وبساعات النوم، وبتحدي حديد يزن مئات الكيلوغرامات؛ هو تدريب هائل على ضبط النفس. هذا الالتزام الصارم هو ميزة حقيقية، وشيء إيجابي يثبت أن لديهم طاقة مذهلة على الانضباط، لكن المحزن في الأمر أن هذه الإرادة الحديدية، يتم استهلاكها بالكامل داخل أسوار قاعة الرياضة، لتنتهي عند حدود إبهار رجل آخر يقف على الجهاز المجاور.
عند النساء أيضاً، وهوسهنّ بالنحافة، نوع من الامتثال للعين الجماعية التي تقودها منصات التواصل وصناعات الموضة المُدارة برؤوس الأموال. المرأة تنحف لتنال اعتراف "نادي النساء" أو لتشعر بأنها تتحكم في مساحة جسدها في ظل انعدام أمان عام. المرأة تترجم قلقها وعدم أمانها بتقزيم الذات، مادياً، عبر النحافة، بينما يترجمه الرجل بتضخيم الذات بمساعدة الحديد.
هذا اللهاث المحموم نحو "الجسد الكامل" يبقينا جميعاً في حالة عزلة وانفصال. الرجال في زاوية الحديد يطاردون عضلات مبالغاً فيها تثير سخرية النساء أكثر من إعجابهن... والنساء في زاوية "الكارديو" يطاردن غياباً وجوعاً لا يطلبه الرجال. والكل، في نهاية اليوم، يقف أمام مرآته وحيداً، خافق القلب، وغير مُدرك أن جحيم المثالية هذا، ليس إلا درعاً هشاً نرتديه لنهرب من حقيقة أننا مجرد ضحايا في عالم لا نملك فيه، خارج حدود أجسادنا، أي سلطة.




