دخل التاريخ إلى مونديال 2026 عبر مواقع التواصل الاجتماعي. فبينما تتنافس المنتخبات في الملعب الأخضر، خاض الجمهور مواجهة من نوع آخر، استحضرت الإمبراطوريات القديمة والاستعمار والحروب والهويات القومية والعرقية من خلال محتوى مولد بالذكاء الاصطناعي، لينتقل جانب من النقاش المصاحب للبطولة من كرة القدم إلى سجال حول التاريخ والهوية.
ولم يكن ذلك التحول معزولاً عن المشهد الرقمي الذي سبق البطولة. فقبل أسابيع قليلة، أظهرت الحرب على إيران كيف أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي جزءاً من معارك السرديات، بعدما استخدمت على نطاق واسع لإنتاج صور ومقاطع مفبركة ومحتوى دعائي استهدف التأثير في الرأي العام. وخلال مونديال 2026، انتقلت تلك الأدوات إلى ساحة مختلفة؛ فبدلاً من توظيفها في سياق سياسي أو عسكري، استخدمت لاستحضار التاريخ والهوية في سياق المنافسة الرياضية.
ولا يعد استحضار التاريخ في كرة القدم ظاهرة جديدة، حيث تناول تقرير نشرته مجلة "The New Yorker" قبيل انطلاق مونديال 2026 كيف شكلت كرة القدم، عبر تاريخها، مساحة تستحضر فيها الأمم ذاكرتها الجماعية وهوياتها الوطنية، وأحياناً خصوماتها وصراعاتها التاريخية. لكن المختلف في مونديال 2026، حسبما أظهرته البيئة الرقمية، هو أن أدوات الذكاء الاصطناعي منحت ذلك الحضور بعداً جديداً، لأن إنتاج هذا النوع من المحتوى أصبح أسرع وأكثر إقناعاً وانتشاراً في مواقع التواصل، من خلال توليد مشاهد تحاكي اللقطات الوثائقية خلال دقائق.
وانعكس ذلك سريعاً في طبيعة المحتوى المصاحب للبطولة. فمع سهولة الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي، برزت مقاطع تستحضر الإمبراطوريات القديمة والاستعمار والحروب والهويات القومية والعرقية. ولم تعد تلك المواد تكتفي بالحديث عن اللاعبين أو المنتخبات، بل استدعت أيضاً "عظمة الحضارات" و"تفوق الإمبراطوريات" و"إرث الأمم"، لتسقطها على مواجهات كروية معاصرة في محاولة لإضفاء أبعاد حضارية أو عرقية على نتائج المباريات.
ولم يقتصر أثر ذلك على الجانب التقني، بل امتد إلى طبيعة المنافسة الرقمية نفسها. فبدلاً من السخرية التقليدية بين الجماهير أو المقارنات الرياضية، اتجه بعض صناع المحتوى إلى بناء روايات تربط نتائج المباريات بتاريخ الأمم وأصول الشعوب أو إرثها الإمبراطوري، ما وسع نطاق تداول هذه المواد إلى ما هو أبعد من الترفيه والمزاح الرياضي. ولا يرتبط هذا الانتشار بسهولة إنتاجها وحدها، بل أيضاً بطريقة عمل المنصات الرقمية، حيث تميل الخوارزميات إلى تعزيز المواد التي تثير الجدل والانقسام وتحصد معدلات تفاعل مرتفعة، ما يمنحها فرصاً أكبر للوصول إلى جمهور أوسع.
ومن أبرز الأمثلة التي رصدت هذه الظاهرة، تقرير نشرته شبكة "يورونيوز" حذر من موجة محتوى مولد بالذكاء الاصطناعي رافقت مونديال 2026، لم تقتصر على الصور المفبركة والاقتباسات المزيفة، بل امتدت إلى إنتاج روايات تاريخية ذات إيحاءات قومية وعنصرية.
إلى ذلك، خلصت دراسة أكاديمية حديثة تناولت مقاطع "History POV" في "تيك توك" إلى أن هذا النمط من المقاطع يركز بصورة لافتة على أحداث التاريخ المعاصر ذات الطابع العاطفي، مع ظهور أخطاء تاريخية في بعض الأوصاف المصاحبة لها. كما أظهرت أن طبيعة الموضوع تؤثر في استجابة الجمهور، حيث يرتبط بعض الموضوعات التاريخية بارتفاع معدلات خطاب الكراهية والمعلومات المضللة في التعليقات مقارنة بغيرها، بما يعكس أثر اختيار الموضوع في تشكيل التفاعل مع المواد المولدة بالذكاء الاصطناعي.
وأدى ذلك إلى انتقال جانب من النقاشات المصاحبة للبطولة من تحليل الأداء الكروي إلى سجالات حول التاريخ والهوية والذاكرة الجماعية. ولم يقتصر أثر السرديات على إعادة قراءة الماضي، بل انعكس أيضاً في التفاعل بين الجماهير، حيث تداخل التاريخ مع الهوية، وأحياناً مع الخطابات السياسية، في كثير من النقاشات التي رافقت البطولة في المنصات الرقمية.
بالتزامن مع ذلك، رصد الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" ارتفاعاً في حجم الإساءة وخطاب الكراهية عبر وسائل التواصل الاجتماعي خلال البطولة. وأظهرت بيانات خدمة حماية مواقع التواصل الاجتماعي التابعة لـ"فيفا" أن أكثر من واحد من كل عشر منشورات مسيئة، كان ذا دوافع عنصرية، ما دفع الاتحاد إلى توسيع إجراءات الرصد والإبلاغ، بالتعاون مع المنصات الرقمية، للحد من الإساءة الإلكترونية.




