الاعتقاد الشائع بأن الصحافة في العالم تواجه تحديات اقتصادية وتكنولوجية فقط، تبدّده نقاشات مئات الصحافيين والباحثين والمطورين في ميدان الاعلام والتكنولوجيا الذي اجتمعوا في Global Media Forum 2026 والتي كشفت أن التحديات تطاول دور الإعلام نفسه في عالم يشهد تصاعداً في الاستقطاب السياسي والذكاء الاصطناعي والحروب.
والمنتدى الذي نظمته مؤسسة "دويتشيه فيلله" الألمانية في مدينة بون في 23 و24 حزيران/يونيو الماضي، يُعدّ أكبر تجمّع للصحافيين والباحثين في مجال الإعلام في العالم، ويوفر فرصة لنقاشات معمّقة حول تحديات الإعلام ودوره في الدفاع عن الحقائق والشفافية والاستقلالية وعدم التحيّز.
حمل المشاركون أسئلة عن دور الصحافي نفسه، كما حملوا هواجس حول مستقبله في عصر الذكاء الإصطناعي. لكن مخرجات المنتدى، قدمت رؤية شبه متكاملة لمستقبل الصحافة خلال العقد المقبل، ذلك أن الإعلام يدخل مرحلة إعادة تعريف لدوره في ظل التحولات التي باتت تحدد كيفية إنتاج المعلومات وتداولها.
الصحافة والذكاء الاصطناعي
كان من المفيد فهم طبيعة عمل الذكاء الإصطناعي الذي، في الغالب، يكتسب نفوذه من المحتوى المتوافر، ولا يبتكر محتواه من فراغ، وهو ما يتعارض مع الطبيعة الإبداعية للصحافيين.. وعليه، فإن وظيفة الصحافة لم تعد تتمثل في المنافسة على نقل الخبر أولاً، وهو ما بات مضموناً وبسرعة هائلة.. بل بات الدور أكثر حيوية، لا سيما في التحقق من المعلومات، وتفسير الأحداث ووضعها في سياقها، وتقديم التحليل المعمّق والمحتوى الجديد الذي يمكن استخراجه من التحقيقات الاستقصائية.
بذلك، بات الذكاء الاصطناعي أداة تبدّل في طبيعة العمل، وليس في المهنة نفسها، إذ يتعين على الصحافي إصدار القرارات المتصلة بغرفة الأخبار، وبناء المصادر والعلاقات، وإجراء المقابلات، وفهم السياقات السياسية والثقافية، وفي الوقت نفسه يستفيد من أدوات الذكاء الاصطناعي لتسهيل العمل وتسريعه، وهو ما يتطلب تعاوناً مع شركات التطوير الرقمي لتطوير الأدوات.
استعادة الثقة
والحال أن حسم هذا الملف، لا يكفي للإجابة على أسئلة الصحافيين والباحثين، وخصوصاً المتصلة بالحفاظ على حرية التعبير، وعلى استقلالية الصحافة، وحمايتها من التحيز ومن التأثيرات الخارجية، خصوصاً تلك المرتبطة بالمؤثرين والشبكات الاجتماعية، وذلك بهدف حماية سمعة الصحافيين واستعادة الثقة التي تتطلب شفافية أكبر، وثقة أكبر من قبل الجمهور بالإعلام.
وعكست النقاشات هواجس عامة حول تهديدات تواجه حرية الصحافة التي تشمل المراقبة الرقمية، والهجمات السيبرانية، وحملات التشهير المنظمة، وإساءة استخدام الذكاء الاصطناعي في تقليد الأصوات والصور، والضغوط الاقتصادية والقانونية على المؤسسات الإعلامية، مما يفرض توسعة لجهود حماية الصحافيين الى الأمن الرقمي.
أجيال تلتقي وتتحاور
وقد خلقت الفئات العمرية المختلفة للحاضرين في المنتدى، دينامية حوارية لافتة بين ثلاثة أجيال، تعكس ثلاثة اهتمامات، وثلاث مقاربات لأدوار الصحافة وأدواتها، وثلاثة تصورات مختلفة عن طبيعة الجمهور. جيل الفيديو، يناقش جيل التلفزيون بالصورة.. وجيل الشبكات الإجتماعية، يزاحم جيل الإعلام الإلكتروني على المحتوى والاهتمامات.. من هنا، باتت هناك مُسلّمة بأن الصحافي في العصر الحديث، لم يعد يحدد أجندة النقاش العام، بل تتولاها الشبكات الاجتماعية مثل "تيك توك" و"إنستغرام" و"اكس" وغيرها... وهو ما يدفع المؤسسات الإعلامية لإنتاج محتوى يناسب المنصات الرقمية، مع محاولة الحفاظ على المعايير المهنية.
في هذا السياق، عقدت جلسة مهمة تحت عنوان "الأنظمة السلطوية والخوارزميات: أدوات الدفاع عن حرية الصحافة في عصر الذكاء الاصطناعي"، وناقشت كيف أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات تستخدم أيضاً في مراقبة الصحافيين، وفي الرقابة الرقمية على عموم المستخدمين، إضافة إلى صناعة الدعاية، والتضليل السياسي، واستهداف وسائل الإعلام المستقلة.
وأفضت النقاشات إلى أن المؤسسات الإعلامية لم تعد تتحكم وحدها في توزيع المحتوى، بل تعتمد بدرجة كبيرة على خوارزميات المنصات، وهو ما أنتج تغيّراً في قواعد الوصول إلى الجمهور، وتراجع الوصول المجاني، كما خلق تحديات جديدة، خصوصاً أن المنصات قد تغيّر سياساتها في أي وقت، مما يزيد الحاجة إلى بناء قنوات مباشرة مع الجمهور.
تجارب عالمية
تجارب كثيرة من العالم، قدمها صحافيون وخبراء ومطورون خلال المؤتمر، تمتاز كل منها بخصوصية مستقلة، خصوصاً تلك الآتية من أوكرانيا، أو أميركا اللاتينية أو افريقيا، أو الشرق الأوسط. تتحكم ثقافة المنطقة الجغرافية ومستويات التطور الرقمي فيها، بآليات العمل، وبالتحولات الاعلامية، وضرورة حوكمة الذكاء الاصطناعي، وإلغاء الانفصال بين حرية الصحافة والأمن الرقمي.
قد لا تنطبق التجربة في البرازيل مثلاً، على تجربة تشاد، أو تجربة أوكرانيا على غزة ولبنان.. لكن النقاشات هنا، وعرض التجارب المختلفة، بوسعها أن تفتح آفاقاً شتى، من تغطية النزاعات، الى التحقق من المعلومات، والتحولات الرقمية، والمهارات، وصولاً الى النموذج الاقتصادي المتبع في ظل انخفاض عائدات الإعلانات التقليدية.
خلال يومين من النقاشات المعمقة، تتبدد الى حد كبير الهواجس من التطور التقني الذي لن يحدد مستقبل الصحافة، بقدر ما يفرض عليها إعادة التموضع في عالم متغير.. عالم تُوظّف فيه التقنيات الجديدة في تكريس قيم الإعلام وأخلاقياته واستعادة ثقة الجمهور وحماية استقلاليته، وتعزز حضورها في الفضاء العام، امتثالاً لشعار المنتدى هذا العام: "Journalism Out Loud"...الصحافة بصوت عالٍ.




