هشام الذي لم يبق منه إلا الوَشم

إيناس عزيالاثنين 2026/07/13
لوحة للفنان السوري وليد نظامي
الفنان السوري وليد نظامي
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد أيامٍ من اعتقاله في تموز 2025، استُهدف هشام بطلقٍ ناريٍّ متفجّرٍ في رأسه. مُحيت ملامحُ وجهه تماماً، ولم يبقَ من وسيلةٍ للتعرّف إليه سوى الوشمِ المحفورِ على ذراعه؛ علامةٌ قادت عائلته إليه عبر صورٍ نُشرت في فايسبوك.

 

لا أعرف لماذا بكيتُ أمام هذا الخبر المُعادِ نشره. يبدو أن ذاكرة تلك الأيام عادت فجأةً بكامل ثقلها؛ ذاكرةٌ آثرتُ حماية نفسي منها بالانغلاق، بعد الغضب والذعر، وأيامٍ أمضيتُها من دون أن يغمض لي جفنٌ من هول الكارثة. أيُّ رعبٍ وأيُّ عبثٍ هذا الذي يمحو ملامح البشر! أن يصبح التعرّف على ذوينا معلّقاً بعلامات صغيرةٍ في أجسادهم، أو برسمةٍ باهتةٍ على قميص، أو بتفاصيل أسنانهم في صورة مناشدةٍ حزينةٍ عبر فايسبوك؛ هذا إن لم يعجز الأهل عن إيجاد أيّ أثرٍ لهم، أو إن لم يختفوا في عتمة الاختطاف والمصير المجهول. أيُّ جنونٍ هذا الذي يقتل آلاف الأبرياء لمجرد اختلافهم؟

 

مع هذا البكاء، عادت تلك الأيام بكل تفاصيلها، تلك الليالي الطويلة التي قضيناها ننتظر المجهول. في داخلي الآن، يتحرك المشهد كظلالٍ على جدار: كيف سقطت القذائف أمامنا ونحن نراقب من الشرفة، كيف كنتُ أحرس أولادي وهم نيام، كيف غطّت ابنتي الوسطى في نومٍ عميقٍ أياماً، كأنها تنسحب بكامل وعيها الصغير لتهرب من هذا العالم. الصواريخ تتساقط حولنا، والمسيّرات تغزو سماءنا الملبّدة بغيوم الحرائق.

 

نجونا يومها من قرعة الموت العشوائية، لكني، ومثل كل من نجا، خرجتُ وأنا أحمل وشماً عميقاً وأبدياً. ما حدث هناك في تلك الأيام لم يكن مجرد أحداثٍ عابرةٍ تنقلها نشرات الأخبار، ولا مجرد جرائم متفرّقةٍ تُحصى أرقامها ببرود؛ بل كان صدمةً وجوديةً هزّت قناعاتنا العميقة. صدمةٌ ولّدت فينا عقيدةً قاسيةً قائمةً على الحماية الذاتية، بعد ذلك الشعور البارد والثقيل بالخيانة والتخلّي.

 

يندر أن تمرّ أيامٌ من دون أن يستيقظ أحد أولادي في الصباح ليحدّثني عن كابوسٍ مروّعٍ رآه عنهم؛ عن تلك الوحوش التي اقتحمت عالمنا، سلبت أماننا وشوّهت ذكرياتنا. كيف يمكن لما حدث أن يُمحي منا؟

 

كيف لوعينا أن يبرأ من دويّ رصاصهم؟ ذاك الذي حصد أرواح آل سرايا بدمٍ بارد، وأكره آل عرنوس على السقوط ليمزّق أجسادهم وهي تهوي كعصافير ميتة. كيف يغيب عن ذاكرتنا رصاصٌ غادِر، لم يستحِ من طُهر صالح عكوان؟

 

كيف ستختفي من أعماقنا آثار قدمَي تالا الخطيب؟ تلك الخطوات الصغيرة الحمراء المذعورة التي حفرت أخاديد غائرةً في ذاكرتنا الجمعيّة. كيف ستختفي صور شيوخنا وكبار السن وهم يُذلّون، ويُهانون، ويُحرقون أحياء على مرأى من الجميع؟ والعالم بأسره.. ذلك المتفرّج الصامت، ينظر إلينا بعينٍ واحدة؛ عينٍ زجاجيةٍ باردة.

 

قتلونا ونحن عُزّل، لا نملك حيلة، ملاحَقين حتى داخل الخزانة؛ تلك الخزانة الخشبية البسيطة التي اختبأنا فيها جميعاً يوماً ونحن نلعب ونمرح في طفولتنا البريئة. لم تستطع تلك الخزانة أن تحمي أحداً هذه المرّة. اخترق رصاصهم الغادر الخشب والذكريات، اخترق أمان العالم، واستقر في وجه حلا.

كيف ستختفي من آذاننا أصوات تلك الوحوش وهي تقهقه بنشوةٍ هستيريةٍ بعد موتنا وحرقنا وذبحنا؟
وكيف سيختفي صوت ابن عمتي حسن؟ الذي تبدّلت ضحكاته صراخاً يزلزل المدى في ذلك الفجر الصادم، من شدّة الغضب والخيبة.

 

سأظلّ أسمع صوت حسن ما حييتُ؛ ذلك الصوت المشروخ الذي صرخ بعدما قتلوا والده بدمٍ بارد. قتلوه لأنه رفض الخروج من بيته الذي بناه بيديه حجراً فوق حجر، ورفض أن يتخلّى عن أرضه كما فعل كثيرون غيره. قتلوه تحت سقفه، ثم أحرقوا كلّ الشهادات الجامعية لأولاده، تلك الشهادات التي طالما تباهى بها وافتخر أمام الناس.

 

سيظلّ منير الرجمة، الحارس الستينيّ الأعزل، حارساً أبدياً لذاكرتنا؛ كان يحرس سرّ البقاء، فصار يحرس حكاية السويداء.
 

ستظلّ عين حلا، التي نجت، عين الحقيقة التي تنظر إلينا لتطالبنا بألا ننسى.

 

مجدداً، نحن في تموز.
تفصلني الآن مسافات طويلة عن السويداء، لكن ما حدث هناك وشمٌ لا تمحوه المسافات.
لن ننسى، ولن تنسى الأجيال أننا كنا آمنين في بيوتنا حتى جاء أبناء الظلام.
وحين غادروا، تركوا مدينةً محروقةً، وراياتٍ سوداء، وثقوباً في كل شيء: في الجدران، في الأجساد، في الذاكرة.
ومع هذا، لن تظل تلك الثقوب جروحاً تنزف؛ بل شقوقاً تسمح للضوء بالمرور، فوحده الضوء ما تحتاجه الحياة.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث