رامي مخلوف يقاتل لانتزاع نفوذ في صفوف العلويين

مصطفى الدباسالخميس 2026/07/09
Image-1783421954.Jpg
رامي مخلوف (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ظهر رامي مخلوف في فيديو جديد محاطاً برسالة بصرية واضحة، وتظهر خلفه لوحة لسجناء يخرجون من بوابة حجرية، وحولهم حشد يستقبلهم، وفوق المشهد عبارة: "الحرية لأهلنا بقوة الله".

بدأ كلامه بالتحية نفسها تقريباً، قائلاً: "سلام الله عليكم يا أنقياء، يا علويين، يا أحفاد علي وفاطمة الزهراء وأحفاد النبوة محمد"، ثم انتقل إلى الحديث عن المعتقلين العلويين و"سيريتل" وصفقة "زين" وخزينة الدولة وتجارة المخدرات.

 

كان الفيديو أقرب إلى خطاب عودة منه إلى تعليق اقتصادي خاطب فيه مخلوف العلويين كجمهور مباشر، وبشّرهم بالعمل على ملف من سماهم بـ"الموقوفين العلويين"، قائلاً إنهم سيخرجون "بقوة الله". وقال إن: "الكل يتكلم عن الحكومة بالخير"، داعياً إياها إلى أن "تكمل خيرها" بإخراج "أهلنا العلويين"، ومعتبراً أن هذه الفرصة "تأتي مرة واحدة".

 

مخاطبة العلويين

تحمل لغة الفيديو طابعاً دينياً مكثفاً تكررت فيه عبارات "بقوة الله" و"راجعين بقوة الله" و"سيخرجون بقوة الله"، في خطاب موجّه إلى العلويين حصراً. هنا تظهر أخطر نقاط الفيديو، فهو يفرق بين السوريين والعلويين، إذ لا يتحدث عن عدالة تشمل السوريين جميعاً، ولا عن ملف اعتقال وطني يطال ضحايا من كل المناطق والطوائف، بل عن "أهلنا العلويين"، محولاً الطائفة إلى جمهور خوف يحتاج إلى راعٍ ووسيط ووعد بالخلاص، ويعيد هذا التفريق إنتاج المنطق الذي حكم علاقة نظام الأسد بالعلويين طويلاً: الطائفة بوصفها كتلة ولاء وحماية ورعاية بدل أن تكون مكوّن داخل مجتمع وطني أوسع.

 

شركتا الاتصالات

الأكثر حساسية في كلام مخلوف جاء عند حديثه عن "سيريتل"، فقد قال إن 70 في المئة من صافي أرباح الشركة كان يذهب إلى خزينة الدولة، مضيفاً أن النظام لم يكن ليستطيع دفع رواتب الموظفين قبل الحرب وبعدها لولا شركتا الاتصالات، ويقدم هذا الكلام إقراراً سياسياً ومالياً بدور قطاع الاتصالات في تمويل خزينة الدولة التي أدارها الأسد خلال سنوات القمع والحرب، ورغم أن ذلك لا يثبت وحده تمويل جريمة محددة بالمعنى القانوني، لكنه يضع أرباح الشركة في قلب بنية الدولة الأسدية، وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد صنّفت مخلوف منذ العام 2008 باعتباره رجل أعمال نافذاً داخل النظام، استفاد من الفساد العام وساعد مسؤولين سوريين عليه.

 

دعم العلويين

وفي الجانب الآخر من الأرباح، قال مخلوف إن 40 في المئة منها كان يذهب إلى الأعمال الخيرية، ثم أضاف أن العلويين بشكل خاص تعالجوا وتعلموا من هذه الشركات، وتكشف هذه العبارة وظيفة المال داخل شبكته. فجزء من أرباح الاحتكار يذهب إلى خزينة الدولة وآخر يعود إلى البيئة العلوية في صورة علاج وتعليم ومساعدات، وهكذا تتشكل معادلة الرعاية والولاء من دولة تمولها الاتصالات، إلى طائفة تتلقى خدمات عبر قنوات رجل الأعمال الأقوى في الحلقة العائلية للأسد.

في هذا السياق يمكن قراءة دور "جمعية البستان" و"راماك" بوصفهما أدوات اجتماعية وسياسية في آن واحد، وكانت "نيو لاينز" كتبت أن مخلوف موّل جمعية البستان، وقدم دعماً سخياً للأجهزة الأمنية السورية ولعائلات جنود النظام الجرحى والقتلى، فيما وصفت "تشاتام هاوس" الجمعية بأنها واحدة من أبرز الواجهات المرتبطة بالدولة في مناطق سيطرة النظام، أسسها مخلوف بوصفه بوابة الاقتصاد السوري لسنوات طويلة.

 

شبكة الولاء داخل البيئة العلوية

من هنا يصبح الصدام اللاحق بين الأسد ومخلوف مفهوماً في بعد آخر لأنه كان صراعاً على شبكة الولاء داخل البيئة العلوية، وحين يقدم مخلوف نفسه اليوم كصاحب فضل في تعليم العلويين وعلاجهم، فهو يستعيد سردية قديمة تقول إن له جبهة اجتماعية خاصة داخل الطائفة، موازية لجبهة الأسد ومتداخلة معها. وربما لهذا كان تحجيمه بعد العام 2019 لحظة شديدة الحساسية داخل النظام، قبل أن ينفجر الخلاف علناً في 2020 عبر سلسلة فيديوهات تحدث فيها عن استهدافه واستهداف شركته.

وحاول مخلوف أيضاً بناء خط زمني خاص لانهيار سوريا، وأوضح أن ما جرى بعد 2019 جاء نتيجة إيقاف دوره في الاقتصاد السوري، مقدماً نفسه كأنه كان مسؤولاً عن توازن الليرة وقدرة الدولة على دفع الرواتب، وهي سردية تخدم عودته أكثر مما تشرح الاقتصاد، لكن انهيار الليرة ارتبط بعوامل كثيرة، منها الحرب التي شنها النظام على السوريين، والعقوبات وأزمة المصارف اللبنانية وشح الدولار وتفكك موارد الدولة، غير أن مخلوف يستخدم الانهيار كدليل على أهميته "عندما أُبعدت، انهار كل شيء".

 

محاولة التمايز عن الأسد

واتهم مخلوف آخرين داخل المنظومة الأسدية بأنهم اتجهوا إلى تجارة المخدرات لمصالح شخصية، بينما قدّم نفسه كصاحب أعمال إنسانية، وهذه الجملة تبدو كاتهام من داخل البيت الأسدي، مميزاً بين اقتصاد الاتصالات والخزينة والأعمال الخيرية الذي يمثله، واقتصاد الكبتاغون والتهريب الذي ينسبه إلى أخرى، وكانت وزارة الخزانة الأميركية كانت قد تحدثت في 2023 عن شبكات إيرادات غير مشروعة يديرها ماهر الأسد والفرقة الرابعة، تشمل تسهيل إنتاج وتهريب الكبتاغون.

 

صراعات مع الأسد

في مواقع التواصل، كتب ناشطون أن مخلوف قدّم، من حيث أراد الدفاع عن نفسه، شهادة على دور "سيريتل" في تمويل خزينة الأسد. وقرأ آخرون حديثه عن استفادة العلويين بشكل خاص بوصفه دليلاً على بناء شبكة رعاية طائفية من مال عام أو شبه عام. كما رأى معلقون أن خطابه عن المخدرات يكشف صراعاً داخل اقتصاد النظام، بين من موّلوا الدولة عبر الاحتكار، ومن بنوا نفوذهم عبر الكبتاغون والتهريب.

ورغم سقوط نظام الأسد، وما تكشف بعده من حجم الدمار والقتل والاعتقال والتغييب، وما خرج من السجون من صور وشهادات عن مأساة سورية طويلة، بقي رامي مخلوف متمسكاً بقاموس النظام نفسه. لم يسمّ ما حدث ثورة، واختار عبارة "الحرب السورية"، كأن البلاد لم تشهد انتفاضة شعبية ضد الاستبداد، وكأن ملايين السوريين لم يدفعوا ثمناً هائلاً في السجون والمنافي وتحت القصف. تختصر هذه العبارة موقع مخلوف الأخلاقي والسياسي، فهو يعترف بمعاناة ويتجاهل في المقابل معاناة السوريين ككل، بمن فيهم ضحايا الأجهزة الأمنية والعسكرية التي موّلها اقتصاد النظام واستندت إليها سلطته. 

 

مخلوف والعلويين

ومن هنا تبدو دعوته إلى الإفراج عن الموقوفين العلويين شديدة الخطورة، لأن ملف الموقوفين لا يمكن أن يتحول إلى صفقة طائفية أو ورقة تفاوض بين مخلوف وحكومة دمشق أو أي جهة خارجية.

 العدالة تقتضي محاكمات علنية وقرارات قضائية مستقلة، تميّز بين من لم تثبت عليه تهمة ومن تورط في الانتهاكات، أما من تلوثت يداه بدم السوريين، أو شارك في القتل والتعذيب والإخفاء، فلا يمكن أن تمنحه الطائفة حصانة، ولا أن يشفع له نفوذ مالي أو ضغط خارجي أو خطاب ديني عن "الحرية بقوة الله".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث