المهاجرون فزاعة في الانتخابات وأبطال قوميون في كأس العالم

المدن - ميدياالخميس 2026/07/09
لاعب المنتخب الأميركي فولارين بالوغون (Getty)
لاعب المنتخب الأميركي فولارين بالوغون (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تحولات الرياضة والسياسة لا تلتقي غالباً في نقطة واحدة بوضوح كما التقت في شباك بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026 في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا. ولم يعد المستطيل الأخضر مجرد مسرح للتنافس على المجد الكروي، بل تحول في لحظة استثنائية فارقة إلى مرآة مصقولة كشفت عن واحدة من أعقد الأزمات السياسية والقانونية وأكثرها جذباً للانقسام في التاريخ الأميركي الحديث.

 

وكان البطل غير المتوقع في هذه السردية الممتدة بين الملاعب وأروقة الحكم، هو المهاجم الأميركي الشاب فولارين بالوغون، الذي لم يرتبط اسمه بالأهداف الحاسمة التي هزت الشباك وأشعلت الحماسة في المدرجات فحسب، بل بات عنواناً عريضاً لجدل أيديولوجي عميق يمس جوهر الهوية والمواطنة، ويفضح التناقضات الصارخة والبنية النفعية للخطاب السياسي الذي يقوده الرئيس الأميركي دونالد ترامب تجاه ملف الهجرة والجنسية بالولادة، معيداً إلى الأذهان إرثاً طويلاً من المواقف الموثقة والخطابات الرئاسية المثيرة للجدل، حسبما نقلت "وكالة الأنباء الألمانية".

 

وتعود فصول المفارقة التاريخية والاجتماعية إلى العام 2001، عندما قادت الصدفة المحضة عائلة بالوغون النيجيرية، المستقرة آنذاك في بريطانيا، إلى القيام بزيارة قصيرة وعابرة للولايات المتحدة. وخلال الرحلة، طرأ تحول غير متوقع حين منعت السلطات الجوية الأم من السفر صعوداً إلى الطائرة، نظراً لتقدمها الكبير في أشهر الحمل وما يشكل ذلك من خطر على سلامتها، لتجد العائلة نفسها مجبرة على البقاء وتلد الأم مولودها في أحد مستشفيات حي بروكلين بمدينة نيويورك، قبل أن تحزم الأسرة حقائبها بعد أسابيع قليلة وتعود إلى العاصمة البريطانية لندن حيث نشأ الطفل وتلقى تعليمه.

وتلك الأسابيع القليلة التي قضاها الرضيع على الأراضي الأميركية كانت كافية بموجب القانون الأميركي كي يكتسب حقوقاً دستورية كاملة وتلقائية، استناداً إلى المادة الأولى من التعديل الرابع عشر للدستور الأميركي، الذي يضمن حق الجنسية والمواطنة المطلقة لكل من يولد فوق تراب البلاد، بغض النظر عن هوية والديه، أو جنسيتهم، أو حتى طبيعة وضعهم القانوني في تلك اللحظة.

 

وفي العاصمة البريطانية، ترعرع الصبي حيث لعب كرة القدم في أكاديمية نادي "أرسنال" ومثل المنتخبات الوطنية للشباب في إنجلترا، لكن وثيقة الولادة الأميركية وجواز السفر الذي حصل عليه بموجب قانون الولادة ظلا يلاحقان مساره الرياضي حتى العام 2023، حين اتخذ اللاعب قراراً أحدث ضجة في الأوساط الرياضية، بتغيير ولائه الدولي واختيار تمثيل بلد ولادته الأصلي، ممهداً الطريق لقصة نجاح مونديالي أبهرت الجماهير الأميركية وجعلت منه الركيزة الهجومية الأولى للمنتخب الأميركي.

ومع انطلاق نهائيات كأس العالم الحالية، خطف بالوغون الأضواء بأهدافه الثلاثة الحاسمة، متجاوزاً في بريقه وتأثيره الحضور الإعلامي الجماهيري لقائد الفريق ونجمه كريستيان بوليستش، ليقود بلاده بثبات نحو الأدوار الإقصائية ويرفع سقف الطموحات الشعبية الأميركية إلى مستويات غير مسبوقة. لكن المنعطف الحقيقي الذي نقل القضية من صفحات الرياضة إلى صدارة التحليلات السياسية حدث إثر تلقي المهاجم بطاقة حمراء في مباراة البوسنة والهرسك، وهي العقوبة التي كانت كفيلة بحرمانه من خوض المواجهة المصيرية والحرجة أمام بلجيكا في دور الـ16.

 

وهنا حدثت المفاجأة السياسية، حيث تدخل ترامب شخصياً بشكل علني عبر منصات التواصل الاجتماعي، مطالباً الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" بمراجعة القرار الذي وصفه بالظالم. واستجاب "فيفا" للطلب، ما أثار عاصفة من الانتقادات الدولية والاتهامات بوجود ضغوط سياسية ناعمة ومباشرة مورست على المنظمة الرياضية برئاسة السويسري جياني إنفانتينو، الذي سارع بدوره إلى نفي تأثير أي تدخل سياسي في القرارات الفنية للمنظمة.

وفتح التدخل الرئاسي المباشر وغير المعتاد للدفاع المستميت عن لاعب ولد بالصدفة لأبوين مهاجرين، الباب على مصراعيه، أمام سيل جارف من التساؤلات الإعلامية والحقوقية حول مفهوم الاتساق السياسي ونظيره النفعي، خصوصاً أن موقف ترامب من الجنسية بالولادة ليس جديداً، ففي 30 تشرين الأول/أكتوبر 2018، صرح الرئيس الأميركي علانية في مقابلة صحافية بأنه يعمل جاداً على إصدار أمر تنفيذي ينهي تماماً حق الجنسية بالولادة، معتبراً أن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة في العالم التي تمنح الجنسية تلقائياً لكل مولود على أراضيها، وهو تصريح غير دقيق.

 

أثار ذلك التصريح حينها سجالاً دستورياً واسعاً، لأن غالبية خبراء القانون أكدوا أن الحق محمي تاريخياً بالتعديل الرابع عشر للدستور ولا يمكن بأي حال من الأحوال إلغاؤه أو تقييده بقرار رئاسي منفرد. وعاد ترامب لاحقاً خلال حملته الانتخابية، تحديدا في 30 أيار/مايو 2023، ليتعهد مجدداً عبر بيانات حملته الرسمية بأنه في حال عودته للبيت الأبيض، سيصدر أمراً تنفيذياً في اليوم الأول من ولايته الجديدة يقضي بعدم منح الجنسية التلقائية لأبناء المهاجرين غير النظاميين أو الموجودين بصفة مؤقتة، واصفاً حق الجنسية بالولادة بأنه بمثابة مغناطيس يغذي الهجرة غير الشرعية ويهدد سيادة البلاد، ضمن خطابه العنصري المعهود.

جاء ذلك في سياق خطاب سياسي أوسع جعل من الهجرة والمهاجرين محوراً أساسياً، فمنذ بداياته السياسية في 16 حزيران/يونيو 2015، وخلال خطاب إعلان ترشحه التاريخي للرئاسة، أطلق ترامب تصريحاً عنصرياً آخر حين قال إن المكسيك ترسل أشخاصاً لديهم كثير من المشاكل، وأنهم يجلبون المخدرات والجريمة وأنهم مغتصبون. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2018، تزامناً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، وصف ترامب قوافل المهاجرين بأنهم يغزون الولايات المتحدة، وبات مصطلح "الغزو" بعد ذلك حاضراً بكثافة في لغة ترامب حتى اليوم.

 

وطوال مسيرته السياسية، واجه ترامب اتهامات متكررة من خصومه ومنظمات حقوقية بإطلاق تصريحات ذات طابع عنصري أو تمييزي ضد الملونين والمهاجرين من دول الجنوب، كان أبرزها ما نقلته وسائل إعلام أميركية عالمية في كانون الثاني/يناير 2018، حول تساؤله بمرارة خلال اجتماع في البيت الأبيض عن سبب استقبال الولايات المتحدة لمهاجرين من دول "قذرة" في أفريقيا وهايتي، معبراً عن تفضيله لمهاجرين من دول كالنرويج.

تجددت الاتهامات في تموز/يوليو 2019، عندما وجه ترامب انتقاداً حاداً لأربع عضوات ديموقراطيات في الكونغرس ينتمين لأقليات عرقية، ثلاث منهن مولودات داخل الولايات المتحدة، داعياً إياهن إلى العودة وإصلاح البلدان المفككة والمليئة بالجريمة التي جئن منها، ما اعتبره منتقدوه خطاباً عنصرياً فجاً.

 

وتبدو المفارقة السياسية والإنسانية اليوم أكثر وضوحاً، فالرئيس الذي جعل من الحد من الهجرة، وتشديد قيودها، وإلغاء الجنسية بالولادة أحد أبرز وأقوى عناوين حملاته الانتخابية المتعاقبة، وجد نفسه خلال المونديال الحالي يدافع بشراسة واستماتة عن لاعب ما كان ليصبح مواطناً أميركياً أصلاً، ولا لاعباً في المنتخب الوطني، لو كانت سياساته وأفكاره القانونية مطبقة على أرض الواقع لحظة ولادة اللاعب في نيويورك.

ولم يعد السؤال الجوهري المطروح في الأوساط السياسية والإعلامية بواشنطن يتعلق ببطاقة حمراء أو بقرار تحكيمي صادر عن "فيفا"، بل يتمحور حول مدى اتساق الخطاب السياسي الموجه للجماهير مع معطيات الواقع الحقيقي، حيث تحول ابن المهاجرين النيجيريين، الذي يمثل بالنسبة لأجندة ترامب نموذجاً قانونياً غير مرغوب فيه، ويسعى إلى منعه ومحاصرته مستقبلاً، إلى أحد أهم وأبرز رموز الحلم الأميركي والتفوق الرياضي على المستطيل الأخضر، حاملاً على عاتقه طموحات أمة بأكملها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث