سائقان يمجّدان الأسد في مركبات عامة: نقاش حول معنى التوثيق

المدن - ميدياالأربعاء 2026/07/08
Image-1765196811
بدأت الحادثتان من هاتف أحد الركاب الذي قرر التصوير والنشر (علي علوش)
حجم الخط
مشاركة عبر

أعادت حادثتا تصوير سائقين في دمشق وريفها أثناء الدفاع عن نظام الأسد أو تمجيد رموزه، النقاش السوري حول الذاكرة العامة بعد سقوط النظام ودور مواقع التواصل في كشف ما يحدث داخل المجال العام، وفتحت سجالاً عاماً حول دور الهاتف المحمول ووسائل الإعلام في مراقبة الناس.

 

وأوقفت قيادة الأمن الداخلي في ريف دمشق، سائق حافلة نقل داخلي على خط ضاحية قدسيا، بعد تداول مقطع فيديو يظهره وهو يشغّل أغانٍ تمجّد النظام السابق ورئيسه داخل السرفيس أثناء العمل، وقال المكتب الإعلامي في وزارة الداخلية، إن الجهات المختصة اتخذت الإجراءات اللازمة بحقه، في حين تداول ناشطون صوراً قالوا إنها للسائق بعد توقيفه وهو يرتدي لباس الموقوفين.

 

وجاءت حادثة قدسيا بعد أيام من ضجة أثارها مقطع آخر لسائق سيارة أجرة في دمشق، ظهر فيه وهو يدافع عن بشار الأسد وينكر جرائم سجن صيدنايا، معتبراً أن ما قيل عن السجن "كذب"، وأن الأسد "لم يقتل أحداً". وانتشر المقطع في مواقع التواصل على نطاق واسع، بين من اعتبره استفزازاً لذوي الضحايا والناجين، ومن حذر من تحويل تصوير الأفراد إلى ممارسة اجتماعية خطرة.

 

التصوير والنشر

وبدأت الحادثتان من  هاتف أحد الركاب الذي قرر التصوير والنشر، وهنا انقسم النقاش بين من رأى ما قام به الركاب شجاعة مدنية، لأن ما حدث لم يكن حديثاً في مساحة خاصة، وإنما تصرفاً علنياً داخل مركبة عامة يستخدمها الناس. وبالنسبة إلى هذا الرأي، لا يمكن التعامل مع الدفاع عن الأسد أو تشغيل أغان تمجد نظامه كحرية شخصية، بعدما ارتبط هذا النظام في الوعي السوري بالاعتقال والقتل والإخفاء القسري وتدمير المدن وتهجير ملايين السوريين.

 

مخالفة قانونية

وقال ناشطون إن تمجيد النظام السابق لا يجرح مشاعر الضحايا فقط، وإنما يخالف أيضاً المادة 49 من الإعلان الدستوري، التي تنص على أن الدولة تجرّم تمجيد نظام الأسد البائد ورموزه، وتعد إنكار جرائمه أو الإشادة بها أو تبريرها أو التهوين منها جرائم يعاقب عليها القانون. ولذا، فإن تصوير الحادثة ونشرها لا يدخل في باب الوشاية، وإنما في باب توثيق مخالفة علنية، خصوصاً حين تحصل في مكان عام وتطاول ذاكرة جماعية لم تلتئم بعد، في هذا الوقت، تنتشر معلومات عن أن سائق السرفيس على خط قدسيا، كان يعمل مع الأمن السياسي خلال نظام الأسد ككاتب تقارير. 

في المقابل، وصف آخرون ما حدث بأنه يذكّر السوريين بأسلوب "كتابة التقارير" الذي حكم حياة الناس طوال عقود، عندما كان الكلام العادي كافياً لجرّ صاحبه إلى الفروع الأمنية. واعتبر هؤلاء أن تصوير الأشخاص وكشف وجوههم ثم المطالبة بمحاسبتهم قد يفتح الباب أمام مزاج انتقامي أو أمام محاكمات شعبية لا تترك للمؤسسات القضائية حق التحقق والتقدير.

 

تمجيد منظومة سياسية وأمنية

غير أن هذه المقارنة واجهت اعتراضاً واسعاً أيضاً. فهناك فارق بين كتابة تقرير بحق شخص طالب بالحرية أو انتقد سلطة أمنية، وبين توثيق شخص يمجّد منظومة سياسية وأمنية ارتكبت جرائم واسعة بحق السوريين. في الحالة الأولى كان التقرير أداة قمع ضد الضحية. أما في الحالة الثانية، فيرى معترضون على المقارنة أن التصوير وثّق فعلاً عاماً منصوصاً على تجريمه في الإعلان الدستوري، وأن النشر دفع الحكومة إلى الاستجابة وفق القانون، لا وفق رغبة المنتقمين.

 

وتكشف الحادثتان جانباً من الصراع على المجال العام في سوريا الجديدة، فإزالة صور الأسد وأعلام النظام السابق من الشوارع والمؤسسات لم تنه حضورها الرمزي تماماً، وما زال هذا الحضور يظهر في أغنية داخل سرفيس، أو جملة داخل سيارة أجرة، أو علم بقي على واجهة محل، أو فيديو متداول من أحد الأحياء. لذلك لا يبدو النقاش مرتبطاً بالسائقين وحدهما، بقدر ما يرتبط بسؤال أوسع حول الطريقة التي تتعامل فيها الحكومة السورية مع بقايا النظام في الذاكرة والسلوك اليومي، من دون أن تعيد إنتاج أدواته؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث