"مش مسرحية" : السياسة مخيماً صيفياً للفتيان!

محمود وهبةالاثنين 2026/07/06
مش مسرحية
تجاوز المشاهد اللبناني منذ زمن مرحلة التلقي الساذج (إكس)
حجم الخط
مشاركة عبر

الخلافات يكفيها استديو. بعيداً من المتاريس وخطوط تماسها، وبعيداً من الزعماء الذين يحركون جمهورهم. عدد قليل من الشبان، يجلسون وجهاً لوجه. والدور الذي أناطه المحاور بهم أن يقوموا بتمثيل المشهد اللبناني نفسه، لكن تحت أضواء الكاميرات.

لا يدري المشاهد إن كانت المشكلة في الشباب، أو حتى في آرائهم. المشكلة في الجهة والفكرة التي قررت، لسبب مجهول، أن تقدم السياسة في عرض تلفزيوني، ورغم ذلك تسعفها الحالة المزرية في تقديم طبق من الاحتقان كمادة دسمة للفرجة. 

يرى المشاهد عرضاً من عروض "مش مسرحية" فيحار في توصيفه. يفكر ويخطر له أن الأزمة اللبنانية المستمرة صارت قاصرة وليست كافية، وتحتاج إخراجاً أفضل، وعدداً أكبر من الكاميرات وجمهوراً يصفق في نهاية كل حلقة، لكن لا أحد يدري لماذا يصفق. ربما يصبح التصفيق واجباً في محله، حين تنتهي الأزمة اللبنانية، لا حين تغدو مادة للفرجة يلكشها القاصي والداني. 

 

يصنع جو معلوف شروطاً تلفزيونية للحوار. يقدم بيئةً ملائمة له. يعرف كيف يلتقط أكثر المواضيع حساسية، ويضعها في مواجهة مباشرة مع أكثر الفئات العمرية هشاشة سياسياً. شباب ليسوا قطعاً من جيل الحرب، لكنهم ورثوا رواياتها وسرديتها. يحفظون شعارات التاريخ ويستميتون في الدفاع عن هويات جاهزة صاغتها البيئات الحزبية ومواقع التواصل بعيداً عن أي تجربة سياسية حقيقية.

تبدو الحلقات المتتالية أقرب إلى مخيم صيفي كبير. يجلس الجميع في دائرة واحدة. يتحدثون، يصرخون، يتراشقون ما تيسر ويغادر الجميع بعدها كما دخل. من المؤكد أن لا أحد يغير رأيه، ولا أحد يخرج بفكرة جديدة. تنتهي الحلقة وحدها، لتبدأ أخرى، بالوجوه نفسها تقريباً، بالخصومات نفسها، وطبعاً بالنتائج نفسها.

يحتار الناظر إلى الشباب المشاركين، بشأن ما إذا كانت المشكلة فيهم شخصياً، ثم يقول لنفسه لا. ليست المشكلة في الشباب الذين يجلسون داخل الاستديو، لعل المشكلة كامنة في الدور الذي يطلب منهم تأديته. وهنا يحسب لجو معلوف أمراً لا يمكن إنكاره، لأنه يعرف كيف يضبط الاستديو ويعرف متى يتدخل، ومتى يخفف الاحتقان، ومتى يمنع الحلقة من الانزلاق إلى اشتباك مفتوح أو شتيمة، إلى حد ما. لكنه، في المقابل، يضبط إيقاع الانقسام. يمنع الفوضى من الخروج عن النص، وبات واضحاً عدم قدرته على أن يغير النص نفسه.

 

يوحي "مش مسرحية" بأنه برنامج وجد ليجمع اللبنانيين، لكنه في الحقيقة منصة تجمع، في أحسن حالاتها، صورهم النمطية. لكل ضيف شخصية سياسية جاهزة، كما لكل فريق خصمه المعروف، ولكل قضية الانقسام المتوقع نفسه حولها. 

"مش مسرحية" ومن خلفه يبحث عن لبنان بعقلية قديمة، يبحث عن لبنان الذي كان. لبنان قديم كانت فيه الهوية تكفي لإشعال شارع. والانقسام يكفي لصناعة السياسة. لكن المجتمع اللبناني سبق البرنامج بأشواط. ربما لأن هذا النوع من الاستثمار السياسي والإعلامي، دفع اللبنانيين في أسوأ حالاتهم إلى الخوف من الحروب الجديدة بعدما اعتادت أنفسهم، بعد نصف قرن من الأزمات، التعب والانهيار والبحث عن حياة أقل قسوة.

هل يحتاج اللبنانيون برنامجاً تلفزيونياً كي يعرفوا أن بينهم من يؤيد المقاومة، ومن يعارضها، ومن يحمل الغرب المسؤولية، ومن يحمل إيران، ومن يرى في السفارات سبب كل أزمة؟ في الغالب لا، لأن كل ذلك صار يمر أمامهم يومياً، على هواتفهم، في عشرات المقاطع القصيرة، وفي آلاف التعليقات التي تنتج المشهد نفسه.

 

تجاوز المشاهد اللبناني منذ زمن مرحلة التلقي الساذج لدرجة صار يعرف متى يشاهد نقاشاً، ومتى يشاهد إخراجاً جيداً للنقاش. ربما لهذا السبب، يبدو الاستديو أكثر توتراً من المجتمع نفسه. والكلام هنا حقيقي لدرجة أن اللبناني الذي يخرج كل صباح إلى عمله، ويقف في الطابور، ويشتري من متجر شخص ينتمي إلى حزب آخر، ويجلس في الجامعة إلى جانب من يختلف معه سياسياً، سبق البرنامج بأشواط. هو يعرف أن البلد صعب ومركب ومريض ومنقسم، وهو بنفسه يعيش قلقه ويألفه أكثر مما تقدمه هذه العروض. 

لبنان اليوم، بتعقيداته الكثيرة يتحول مع ناسه إلى حالة رجاء. وناسه يبحثون عمن يوقف الانهيار المديد. لذلك، يبدو الاستديو أحياناً وكأنه المكان الوحيد الذي مازالت الحرب تؤدي فيه دور البطولة، فيما يحاول اللبنانيون، خارج الكاميرات، أن يتعلموا كيف يعيشون بعد انتهاء العرض. وربما كان همهم في رحلة بحثهم عن فرصة للعيش معاً أو التعايش، أكثر صدقاً مما تقوله مهرجانات العرض وغيره.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث