بعد نحو ثلاثة عقود على عرض مسلسل "كاساندرا" في سوريا ولبنان، عاد اسما بطلي العمل كورايما توريس وأوزفالدو ريوس إلى التداول العربي من دبي، بعد مشاركتهما في الدورة الثالثة من جوائز قادة الإنسانية.
وأعاد هذا اللقاء فتح ذاكرة تلفزيونية عاشها جيل كامل في منتصف التسعينيات، حينما كانت الشاشة الصغيرة هي مركز البيت والبوابة الوحيدة لعبور الصورة الأجنبية إلى الحياة اليومية بالنسبة لغالبية السوريين.
تشابه مع الدراما العربية
جاء المسلسل من فنزويلا حاملاً حكاية فتاة نشأت في بيئة غجرية، ثم دخلت في شبكة من العلاقات التي تجمع الحب والنسب والثروة والطبقة، وكانت الحبكة قريبة من ميل الدراما العربية إلى الصراع العاطفي والعائلي، مع اختلاف في الصورة البصرية.. فكانت أكثر تحرراً مع ملابس غجرية وشعر طويل وعاطفة المعلنة، أما الوجوه القادمة من أميركا اللاتينية، منحت المشاهدين مادة تلفزيونية خارجة عن المألوف المحلي.
وكان الحياة في سوريا العام 1996، تتحرك داخل استقرار محدود ومضبوط تسيطر فيه الدولة على السياسة والإعلام والاقتصاد، وحزب البعث والأجهزة الأمنية وقانون الطوارئ يحددون حدود المجال العام، وظل القطاع العام واسعاً من الناحية الاقتصادية مع دعم حاضر في السلع الأساسية والانفتاح الاقتصادي جزئي ومحدود الأثر على بنية السيطرة.. أما اجتماعياً كان البيت والمدرسة والوظيفة والسوق ونشرة الأخبار يشكلون إيقاعاً يومياً مألوفاً في ظل غياب الإنترنت عن الحياة العامة وندرة أجهزة الستالايت، وسيطرة التلفزيون الرسمي على الصورة المتاحة.
مواعيد اجتماعية
داخل هذا السياق، تحولت الأعمال التي يختار التلفزيون الرسمي عرضها إلى مواعيد جماعية، ومع "كاساندرا"، أخذ الموعد صفة يومية واضحة، فكانت بعض العائلات تنهي الأعمال المنزلية قبل الحلقة، ويؤجل آخرون الزيارات أو الخروج إلى ما بعدها. ولو عاد المرء بآلة زمن إلى عام 1996، عند الخامسة مساءً، لرأى شوارع كثيرة خالية من الناس والسيارات إلا في ما ندر. ولو مرّ قرب نافذة منزل مفتوحة، لسمع صوت المسلسل يخرج من شاشة صغيرة، ورأى أفراد العائلة متجمعين أمام التلفزيون.
ثقافة أجنبية.. وحذر
ويكشف هذا الطقس طبيعة الشاشة في تلك المرحلة فكانت مكاناً يتجمع حوله أفراد العائلة ويتفاوضون من خلاله على الذائقة والرقابة والرغبة والخوف من الخارج، وكان الأب والأم والأبناء والجدات أحياناً يشاهدون العمل نفسه، ثم يختلفون في تفسيره، بعضهم رأى فيه قصة حب مؤثرة، وبعضهم رآه ثقافة أجنبية تحتاج إلى حذر، وبعضهم تعامل معه كمتعة يومية لا تحتاج إلى تبرير.
ولعبت الدبلجة العربية دوراً أساسياً في تحويل المسلسل إلى جزء من الذاكرة المحلية وجعل الشخصيات قريبة من المشاهد، أما الشارة الغنائية الأيقونية التي أدتها المطربة اللبنانية كارول صقر ونبرة الحوار المدبلج للعربية الفصحى والذي أداه ممثلون لبنانيون مثل إلسي فرنيني ووحيد جلال وعايدة صبرا وتقلا شمعون، كلها عوامل جعلت العمل مفهوماً داخل البيت العربي.
إعادة فتح الذاكرة
تستحق ظاهرة "كاساندرا" أن تفتح اليوم بعد سقوط منظومة عائلة الأسد سؤالاً حول سياسة العرض في التلفزيون السوري خلال التسعينيات، كيف سمحت هيئة الإذاعة والتلفزيون، في بلد شديد الرقابة الإعلامية والسياسية، بمرور مسلسل اجنبي طويل وعاطفي ومشحون بصور الحب والطبقة والرغبة والملابس الخارجة عن المألوف المحلي؟
ويمكن قراءة هذا السماح ضمن وظيفة الترفيه في دولة كانت تدير انتباه الجمهور بقدر ما تدير الأخبار والخطاب السياسي، فالمسلسل قدم عالماً بعيداً وممتعاً ومراقباً في الوقت نفسه، وأتاح للناس حديثاً يومياً خارج السياسة، فيما ظلت الأسئلة الكبرى محصورة في النشرات الرسمية وخطاب الدولة.
حافظ الأسد وإدارة الداخل والخارج
ويكتسب هذا السؤال معنى أوسع عند وضع المسلسل داخل سياق العام 1996 عندما كان العالم حول سوريا مضطرباً، بدءاً من مسار السلام السوري ـ الإسرائيلي الذي كان يتحرك بين التفاوض والتعثر في الوقت الذي كان فيه لبنان يعيش أثر عملية "عناقيد الغضب" ومجزرة قانا والمنطقة بأكملها واقعة تحت ضغط ما بعد حرب الخليج وصعود الدور الأميركي. في ذلك الوقت، كان حافظ الأسد يدير موقع سوريا السياسي في الخارج، فيما كان الجمهور داخل البلاد يعيش يوماً تلفزيونياً موزعاً بين نشرة رسمية تضبط السياسة، ومسلسلات تفتح مساحات أخرى للكلام والضحك والرغبة.
من هنا تبدو فكرة الترفيه التلفزيوني جزءاً من بنية الضبط داخل نظام مغلق، وكان "كاساندرا" يمنح الناس حديثاً يومياً بعيداً عن السياسة ولفترة طويلة، وموعداً عاطفياً ثابتاً وصورة خارجية قابلة للمشاهدة بعد دبلجتها ورقابتها. وفي الفترة نفسها، كانت الدراما السورية تقدم كوميديا يومية عن تفاصيل معيشية صغيرة، كما في "أحلام أبو الهنا" و"يوميات مدير عام" وعيلة خمس نجوم ، حيث يمكن أن يتحول ارتفاع سعر الموز إلى حدث اجتماعي واسع داخل الحلقة. بهذه الطريقة، كان التلفزيون يعيد ترتيب انتباه الجمهور، السياسة الكبرى تبقى في يد الدولة، والحياة اليومية تُقدَّم عبر الحب والضحك والأسواق والبيوت والهرج والمرج.
موقعية فنزويلا
وقد يكون مصدر المسلسل نفسه جزءاً من الإجابة. فـ"كاساندرا" جاء من فنزويلا، لا من الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية، وهذا الفارق كان مهماً داخل خطاب رسمي سوري اعتاد التعامل مع الغرب بوصفه كتلة سياسية وثقافية مهددة للثقافة العربية.. ولم تكن فنزويلا، في المخيال السوري العام دولة عدوة أو مركزاً للهيمنة الثقافية الأميركية، فهي بلد بعيد من أميركا اللاتينية، وفيه جالية سورية وعربية واسعة، مما جعل صورته أخف سياسياً من صورة الإنتاج الأميركي، لذلك بدا مرور مسلسل فنزويلي على التلفزيون الرسمي أسهل من مرور عمل أميركي مباشر، حتى لو حمل العمل عناصر بصرية وعاطفية خارجة عن المألوف المحلي.
ومارست المؤسسة التلفزيونية دوراً مزدوجاً تجاه هذا النوع من الأعمال فسمحت بدخول مسلسل اجنبي مدبلج إلى البيوت، وأخضعته في الوقت نفسه لشروط العرض العائلي. ويتذكر كثيرون أن المقاطع الرومانسية الحادة تعرضت للحذف أو التخفيف بما جعل العمل مناسباً للمشاهدة المنزلية وفق معايير التلفزيون الرسمي.
وتكشف هذه النقطة علاقة معقدة بين الدولة والصورة الأجنبية تبدأ من السماح بالعبور ثم "التهذيب" وتقديمه للجمهور ضمن حدود أخلاقية وثقافية محددة، وهو ماكان يحدث أيضاً مع كل مسلسلات الكرتون الخاصة بالأطفال والقادمة من اليابان وأوروبا.
أثر المسلسل في السوق
وانتقل أثر "كاساندرا" إلى السوق والملابس والزينة، وظهرت تنانير وإكسسوارت وقصات شعر مستوحاة من البطلة، وصار من الطبيعي أن تطلب فتاة في السوق تنورة شبيهة بتنورة كاساندرا أو حلقاً يشبه ما ترتديه أو تسريحة قريبة من صورتها فتحولت الصورة التلفزيونية إلى سلعة قابلة للبيع والنسخ المحلي الرخيص والمصنوع داخل السوق الشعبي، ما أدخل نوع من الخيال التلفزيوني إلى الحياة اليومية.
ويظهر أثر "كاساندرا" بوضوح في المسلسل السوري الشهير"الفصول الأربعة"، من خلال حلقة "من لا يحب كاساندرا؟". في هذه الحلقة، صار العمل الفنزويلي مرآة لعلاقة العائلة السورية بالتلفزيون وبالثقافة الأجنبية، وقدمت فيها شخصية نجيب، التي أداها الممثل بسام كوسا، مفتاحاً مهماً لفهم هذا التوتر. نجيب يقدم نفسه بوصفه صاحب وعي ثقافي وحرص أخلاقي على العائلة ويرى في الثقافة الغربية خطراً على الثقافة العربية، ويتعامل مع المسلسل كدليل على هذا الخطر، لكنه يتابع الحلقات، ويكرر تبريراً دفاعياً من نوع: "بدي شوف هي السخافات لفين بدها توصل".
وتلخص هذه الجملة مفارقة اجتماعية واسعة، فالمتابعة تجري تحت عنوان المراقبة، والانجذاب يختبئ خلف خطاب الحماية، ويمثل نجيب شريحة من السوريين الذين عاشوا خوفاً واضحاً من المحتوى الأجنبي، خصوصاً ضمن جيل الآباء ومن تشكل وعيهم في ظل خطاب رسمي يحذر من "الغزو الثقافي"، وكانوا "يحرسون: العائلة من أثر الصورة، ويجلسون معها أمام الصورة نفسها ومع ذلك ويتابعون تفاصيل الحب المستحيل بشغف!.
فاتحة المحتوى المدبلج
من هنا يمكن قراءة المسلسل كمرحلة مبكرة في تاريخ استقبال الدراما المدبلجة عربياً، قبل موجة المسلسلات التركية مثل "نور" و"سنوات الضياع". في الحالتين تابع الجمهور قصص حب طويلة، تقوم على العائلة والطبقة والانتظار والغيرة وسوء الفهم، ويمكن القول أن كاساندرا مهد لفكرة أن المسلسل المدبلج قادر على دخول البيت العربي، وصناعة موعد جماعي وتحريك السوق واللغة والخيال.
وتساعد عودة ظهور بطلة “كاساندرا” على طرح سؤال أوسع حول ثقافة البوب في العالم العربي وخاصة سوريا لأنها طالما تم ربطها بالولايات المتحدة بسبب حضور الموسيقى والسينما والإعلانات الأميركية في المخيلة العالمية، غير أن التجربة العربية تكشف مسارات متعددة، فقد دخلت ثقافة البوب من أميركا اللاتينية عبر المسلسلات المدبلجة، ومن تركيا عبر الدراما العاطفية، ومن لبنان ومصر عبر الفيديو كليب العربي، ومن كوريا واليابان لاحقاً عبر الإنترنت، وثقافة البوب هنا طريقة في الانتشار والتأثير عندما يتحول الوجه إلى رمز وصورة قابلة للتقليد وسوق يحول المشاعر إلى منتجات.




