كثيرا ما يردد السويسري رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" جياني إنفانتينو، مقولة أن كرة القدم هي الرياضة الأكثر ديموقراطية في العالم، استناداً إلى شعبيتها الجارفة العابرة للطبقات والخطوط العرقية، لكن السؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه في كواليس اللعبة يتعلق بمدى تطابق تلك المقولة البديهية بالضرورة على بطولة كأس العالم، الحدث الكروي الأكبر والأكثر تسييساً على المستوى الدولي؟
وتاريخياً، لم يكن المستطيل الأخضر معزولاً عن طموحات الأنظمة الاستبدادية التي سعت لتوظيفه كأداة "لغسل السمعة عبر الرياضة" وتثبيت شرعيتها السياسية، ففي مونديال 1934، لم يتردد الزعيم الفاشي الإيطالي بينيتو موسوليني في التلاعب بالمباريات واختيار الحكام لضمان تتويج روما على حساب تشيكوسلوفاكيا الديموقراطية، حسبما نقلت "وكالة الأنباء الألمانية".
وفي العام 1978، تكرر المشهد ذاته حينما استغلت الديكتاتورية العسكرية في الأرجنتين استضافة البطولة وظفرها باللقب للتغطية على القمع الوحشي والانتهاكات التي رافقت وصول المجلس العسكري إلى سدة الحكم.
لكن، إذا نجحت الأنظمة السلطوية تاريخياً في استغلال المونديال سياسياً وإعلامياً، فهل صمدت تلك القدرة أمام منطق الأرقام والنتائج الرياضية على المدى الطويل؟ هذا التساؤل دفع جون توريس، أستاذ العلوم السياسية بكلية "لاغرانج" بجورجيا، إلى تشريح سجلات النسخ 22 الماضية من كأس العالم، مسقطاً نتائجها على البنية السياسية للمنتخبات 48 المشاركة في مونديال 2026.
ولتحقيق تلك الغاية، زاوج الباحث بين قاعدتي بيانات دوليتين، مقياس مشروع "بوليتي" لتركيز السلطة السياسية (بين -10 للاستبداد و+10 للديموقراطية)، ومؤشر منظمة "فريدوم هاوس" السنوي الذي يصنف الدول إلى حرة، وحرة جزئياً، وغير حرة.
وأشارت القراءة الإحصائية للتاريخ الكروي إلى مفارقة لافتة، ففي العقود الأولى للبطولة بين العامين 1930 و1962 لم تكن الدول الحرة تجد طريقاً سهلاً إلى منصات التتويج. وخلال الأعوام الـ32 الأولى من عمر المونديال، شهدت المباريات النهائية تمثيل ست دول استبدادية وأربع دول هجينة (شبه حرة)، مقابل أربع ديموقراطيات فقط. لكن المشهد شهد انقلاباً جذرياً منذ مونديال 1966 في إنجلترا، الذي سجل أول نهائي يجمع بين دولتين ديموقراطيتين فمنذ ذلك التاريخ، لم ينجح في إحراز اللقب سوى منتخبَين ينتميان إلى دول غير ديموقراطية. البرازيل العام 1970، والأرجنتين العام 1978، التي دخلت التاريخ بصفتها آخر دولة استبدادية تتوج بكأس العالم.
وتكشف لغة الأرقام تفوقاً كاسحاً للدول الديموقراطية في العصر الحديث للعبة، فكل المنتخبات العشرة الفائزة باللقب من العام 1982 إلى العام 2018 كانت ديموقراطيات حرة، كما أن جميع وصفاء البطولة منذ العام 1962 ينتمون للأنظمة الديموقراطية ذاتها.
وأظهرت بيانات "بوليتي" أن الديموقراطيات مثلت نحو 71.4% من أطراف المباريات النهائية عبر التاريخ، مقابل أقل من 20% للأنظمة الاستبدادية. في المقابل شكلت الدول المصنفة "حرة" 23 من أصل 26 منتخباً بلغت النهائي، بنسبة 88% منذ العام 1974، حاصدة 11 لقباً عالمياً، مقابل فائز واحد "حر جزئيا" هو البرازيل العام 1994.
يتوازى هذا التطور الرياضي مع التحول الهيكلي لخريطة العالم السياسية، ففي العام 1930، كانت نسبة الديموقراطيات عالمياً لا تتجاوز 21.7%، بينما كانت الأنظمة السلطوية تقترب من نصف الكرة الأرضية بنسبة 44.6%، ومع حلول مونديال 2018، قفزت نسبة الدول الديموقراطية إلى نحو 60%، في حين انكمشت الأنظمة الاستبدادية إلى 12% فقط.
ولا يختلف مونديال 2026 عن هذه الدينامية، فرغم توسيع رقعة المشاركة إلى 48 منتخباً، أظهرت بيانات "فريدوم هاوس"، أن الدول الحرة تستأثر بنسبة 43.1% من المقاعد، مقابل 26.7% للدول غير الحرة، ما يمثل انقلاباً كاملاً لمعادلة العام 1974.
وعلى الصعيدين الفني والرياضي، تبدو حظوظ الدول الديموقراطية الأوفر، حيث تنتمي المنتخبات الإحدى عشرة الأولى في تصنيف "فيفا" العالمي إلى دول مصنفة حرة. ومن بين أفضل 19 منتخباً في العالم، تظهر جميعها كدول حرة باستثناء منتخبين فقط يقعان في فئة الدول الحرة جزئياً، وفي المقابل، فإن أكثر من نصف المنتخبات الأحد عشر الأقل تصنيفاً في البطولة تنتمي إلى دول غير حرة.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة، ففي الوقت الذي تسعى فيه الأنظمة غير الديموقراطية لاستخدام كرة القدم لتعزيز شرعيتها، تظهر نتائج اللعبة نفسها أن أكثر المنتخبات نجاحاً تنتمي في الغالب إلى الدول التي تقوم على التعددية السياسية والحريات العامة وسيادة المؤسسات وحقوق الإنسان.




