المخفيّ من مجدل زون: مغارة تشبه جعيتا وكوماندوس 1974

نغم ربيعالخميس 2026/07/02
Image-1782988767.Jpg
مجدل زون قبل الحرب الأخيرة (سوشيال ميديا)
حجم الخط
مشاركة عبر

قبل أن تصبح مجدل زون عنواناً لأعنف تفجير، كانت تاريخياً قرية حدودية في مواجهة الاحتلال. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، لم تغب البلدة الواقعة في قضاء صور عن خرائط الاستهداف الإسرائيلي، سواء عبر عمليات الكوماندوس والتفجيرات والخطف، وصولاً إلى الحرب الحالية. لذلك لا يبدو استهدافها المتكرر اليوم حدثاً معزولاً، بل امتداداً لمسار طويل من المواجهة مع اسرائيل التي ترى في هذه البلدة عقبة أساسية أمام تقدمها نحو مدينة صور والساحل الجنوبي.

 

تبدو مجدل زون اليوم، قرية تحمل في ذاكرتها تاريخاً طويلاً من المواجهة مع الاحتلال، وفي أرضها آثار حضارات قديمة ومشاريع سياحية مؤجلة. أضاء الإعلام على واقعة تفجير النفق، مما دفع سكانها ومعنيون بذاكرة جبل عامل، إلى الإضاءة على تاريخها وموقعها السياحي والتاريخي والجغرافي، مما جعلها أحد أبرز مطامع إسرائيل منذ الكوماندوس الشهير العام 1974. 

 

منازل فجّرت ومواطنون خُطفوا

في 18 كانون الأول 1974، تسللت قوة كوماندوس إسرائيلية إلى البلدة، وفجرت 6 منازل واختطفت 4 من أبنائها. شكلت العملية يومها صدمة كبيرة في المنطقة، ودفع وقعها الإمام موسى الصدر إلى زيارة البلدة، حيث دعا إلى مواجهة الاحتلال وتنظيم المقاومة اللبنانية المسلحة في وجه الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.

يروي رئيس بلدية مجدل زون يوسف شحيمي لـ"المدن" أن البلدة دفعت أثماناً باهظة. ويقول إن الاعتداءات الإسرائيلية لم تتوقف بين العامين 1974 و1978، إذ كانت وحدات الكوماندوس تتسلل إلى البلدة لتفجير المنازل وخطف المدنيين، مضيفاً أن ما تعيشه البلدة اليوم ليس سوى امتداد لمسار طويل من الاستهداف".

Image-1782988148.Jpg
أهالي مجدل زون يستقبلون الإمام موسى الصدر  في بلدتهم بتاريخ 24 اذار 1975 

ولاية عكا

غير أن تاريخ البلدة لا يبدأ مع الاحتلال الإسرائيلي. فبحسب بعض الروايات، كانت البلدة في العهد العثماني تتبع ولاية عكا التي حكمها أحمد باشا الجزار في أواخر القرن الثامن عشر. كما تتعدد الروايات حول بدايات الاستقرار البشري في البلدة. فبعض المصادر المحلية تشير إلى أن سكان بلدة مروحين كانوا من أوائل القاطنين فيها، فيما تتحدث روايات أخرى عن وجود مجموعات بدوية استقرت في منطقة ما زالت تُعرف باسم "جبانة العرب".

 

معصرة الزيتون وأحصنتها

تحتفظ مجدل زون ببعض ملامحها التراثية رغم الاعتداءات، ففي أحد أحيائها تقف بقايا معصرة زيتون قديمة يتجاوز عمرها 70 عاماً. ولم يبق من المعصرة سوى الرحى والمكبس والدولاب الذي كان يُدار بواسطة الأحصنة. توقفت المعصرة عن العمل العام 1978 مع تهجير السكان إثر الاجتياح الإسرائيلي للجنوب، قبل أن تتحول مع مرور الزمن إلى شاهد صامت على تاريخ البلدة الزراعي والاجتماعي.

 

آثار مدفونة ومغارة "جعيتا"

البلدة تختزن تاريخاً أثرياً غنياً يؤكد مرور حضارات متعددة فيها، من الرومان إلى البيزنطيين. وعلى مدى سنوات، عثر الأهالي على مغاور ومدافن وآثار متنوعة تؤكد أن المنطقة كانت مأهولة منذ قرون طويلة. ومن أبرز الاكتشافات التي يتحدث عنها أبناء البلدة مغارة "خلة مقلو". ويقول رئيس البلدية، إن مواصفاتها الطبيعية تجعلها شبيهة بمغارة جعيتا. وكانت المنطقة قبل العام 2000 موقعاً لقوات الطوارئ الدولية، فيما بقيت المغارة مخفية لسنوات طويلة قبل أن يكتشفها عدد من هواة الصيد بعد التحرير، عندما لفتت انتباههم حفرة كانت تمتلئ بالمياه شتاءً.

Image-1782988243.Jpeg
مغارةمجدل زون (سوشيال ميديا)

خط دفاع ثانٍ 

من هنا، بات مفهوماً تركيز جيش الإحتلال الإسرائيلي في العدوان المتواصل على جنوب لبنان، على بلدة مجدل زون، إلى جانب قضاء النبطية. في قضاء صور، تحتل مجدل زون موقعاً استراتيجياً مهماً. فالبلدة الواقعة على ارتفاع نحو 440 متراً عن سطح البحر، تمتد على مساحة واسعة تتجاوز ألف هكتار، وتشرف على منطقة تُعدّ جزءاً من الخط الدفاعي الثاني لحزب الله. وقبل أيام، نفذ جيش الاحتلال الإسرائيلي تفجيراً ضخماً داخل البلدة، قائلاً إنه استهدف نفقاً تابعاً لحزب الله. 

يشرح رئيس بلدية مجدل زون يوسف شحيمي ملابسات التفجير الأخير، قائلاً إن البلدة كانت تتعرض قبل وقوعه لسلسلة اعتداءات يومية مكثفة. ويقول: "كان العدو الإسرائيلي ينفذ يومياً أكثر من 15 غارة على البلدة، بعدما دمر نحو 70 في المئة من منازلها، وحوّلها إلى منطقة معزولة تخضع لحصار وإطباق جوي دائم". ويضيف أن "النفق الذي تحدث عنه الإسرائيليون متوقف عن العمل منذ حرب 2024، وما رافق عملية تفجيره يدخل في إطار الدعاية الإعلامية ومحاولة تصوير الأمر على أنه إنجاز عسكري كبير، بينما هو في الواقع ليس إنجازاً".

 

أما الأضرار التي خلفها التفجير، فيشير شحيمي إلى "تدمير عدد كبير من المنازل المحيطة بالموقع المستهدف، مما رفع نسبة الدمار في البلدة إلى نحو 80 في المئة". لكنه ينفي في الوقت نفسه الروايات التي تحدثت عن انقسام البلدة نتيجة الانفجار، موضحاً أن "هذه المعلومات غير دقيقة، وبعض الصور التي جرى تداولها في مواقع التواصل الاجتماعي، مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي ولا تعكس حقيقة ما جرى على الأرض".

Image-1782988580.Jpg
بري يعرض صور مجدل زون بعد التفجير (سوشيال ميديا)

بين الحلم والحرب

تقف مجدل زون اليوم مرة جديدة بين واقع الحرب وحلم التنمية المؤجل. يقول شحيمي إن أبناء القرية كانوا يطمحون إلى تحويلها وجهة سياحية بارزة في الجنوب، مستفيدة من طبيعتها وآثارها ومواقعها التراثية، إلا أن الحرب بددت الآمال. ويضيف: "منذ العام 2023 عدنا لنصبح منطقة أمنية تواجه العدوان الإسرائيلي". ويختم شحيمي بالقول: "قد يهدم الإسرائيلي الحجر، ويفجر المنازل، ويُمعن في استهداف الأرض، لكنه لن يستطيع انتزاع حق الناس في مقاومة من يحتل أرضهم، مهما كان الثمن. نحن أصحاب هذه الأرض، والقضية التي رويت بالتضحيات لن تضيع".

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث