تتبختر قليلاً، وهي تمشي. قيل لها مراراً بأنها تجلب العار، وهي تمشي كما تمشي. تضحك ولا تبالي. العار يمس دائماً الآخرين. لم تُبالِ يوماً بما يقال. هي ابنة أمها، تشبهها في كل شيء. أمها كانت جميلة الجميلات. بيضاء. عيناها الزرقاوان تغمزان غمزاً. حيكت حولها الحكايات. قيل بأن ذكور المنطقة والجوار، تركوا زوجاتهم كرمى لتلك العيون. هي حكايات، تعيد الأيام صياغتها، تضيف البهارات، وتخلق الفضائح. أمها كانت تتبختر، والفضائح تجوب حولها. لكن أمها أحبت أباها فقط. وقد مات دهساً أمام تلك العينين. ورغم لوعتها، بقيت تغمز غمزاً. وبقيت مَشيتها مشية ملكة.
تسكن سميرة في أفخم مبنى في حي يتباهى سكانه بأنهم من الطبقة الوسطى. لم تفهم يوماً لماذا يصرّ البشر على أنهم طبقات. يغار الجميع منها، لأنها أصبحت هي أيضاً طبقة، تسكن في حي "مرتّب".
هي تعلم ولا تبالي. كانت أمها تخشى "صَيبة العين"، وتتوسلها أن تنتبه من الطاقة السلبية التي تحيط بها. تضحك سميرة. فأمها تؤمن بالسحر. أما هي، فلا تؤمن بشيء. الإيمان شيء فظيع ومخيف، ينهار ويعيد بناء نفسه. وهي لا تحب الانهيارات.
المبنى الذي تقطنه سميرة، عالٍ. واجهتُه من الحجر اللامع، ومدخله يُضاء ليلاً بأكثر مما يضاء الشارع. كان له حارس، يدعى بلال أو هلال، لم تكن متأكدة. وهي لا تحب بلال هلال هذا كثيراً. كاميرات، وأشجار مقصوصة بعناية.. إنها تسكن في مبنى يرتدي السعادة. لم تستوعب سميرة لماذا يفتخر سكان المبنى كثيراً بمكان سكنهم. فالأبنية كلها متشابهة من الداخل: زوايا للنوم، وأماكن للاختباء، وأبواب تُغلق في وجهك. ومع ذلك، كانت تحب هذا المبنى، بسبب موقعه. ففي الجهة المقابلة، تقف الحاوية.
حاوية كبيرة، خضراء، قديمة، يعرفها أهل الحي جميعاً. حتى الذين لا يستعملونها، يعرفون مكانها. تأتيها الأكياس من الجهات كافة، كأنها ساحة عامة أو مزار صغير لا يعترف أحد بأهميته. لكن الجميع يزوره، أو يرسل مَن ينوب عنه لزيارته. ومن مكانها عند مدخل المبنى، كانت سميرة تراقب الحاوية. من الفجر حتى الليل. ومن الليل حتى الفجر. ترى من يأتي، ومن يتأخر، ومن يخفي وجهه، ومن يراقب إن كان أحد الجيران رآه يرمي كيسه.
لماذا يخجل البشر من قماماتهم؟
كانت الحاوية أكثر الأماكن صدقاً في الحي. فالبشر ربما يكذبون في أشياء كثيرة. أما نفاياتهم، فلا تكذب أبداً.
تعرف سميرة سكان الحي أكثر مما يعرف بعضهم بعضاً.لا تعرف أسماءهم جميعاً. فالناس يبدّلون أسماءهم أو يتنادون بأسماء مختلفة. عماد يصبح أحياناً أبو جورج، أو "عميد". فرح تصبح فرفوحة، أو "يا كلبة" بلسان زوجها. جوزف يصبح "زوزو"، ويضحك مَن يناديه، بكثير من السخرية، وهو يهز خصره أمامه.
هناك رجل اللحم. تعرف موعده. يخرج متأخراً، بعد العشاء بقليل. يربط الكيس على عجل، فتظل العقدة رخوة بما يكفي. كانت تحبه لهذا السبب. كان كريماً من دون أن يدري.
وهناك الرجل الذي يخنق الأكياس، لاحقاً سمعت امرأة تناديه طوني.
طوني هذا كان عدواً للفقراء. يقفل الكيس بإحكام شديد، ثم يعيد لفّه حول نفسه مرات ومرات، كأنه يخفي أسرار الدولة. كانت سميرة تمضي وقتاً طويلاً وهي تحاول فتحه، وغالباً ما تستسلم قبل أن تنجح.
أما تيريز، فكانت لغزاً. تأتي عند الغروب، تحمل كيسها وتتحدث معه بصوت خافت. تكلمه. تتمتم أشياء، جملاً قصيرة، وأحياناً تغضب منه. وفي كل مرة، كانت تيريز ترمي كيساً لا يحتوي إلا على البندورة. بندورة طرية، بندورة ناضجة، بندورة مهروسة. ماذا تفعل هذه المرأة بكل تلك البندورة؟ ولماذا تكلمها؟
لكن حليم، حالة خاصة. يزور الحاوية من أجلها هي. ترى عرجه الخفيف من بعيد. وترى عينيه الغريبتين اللتين لا تنظران إلى الأشياء بالطريقة نفسها التي ينظر بها الآخرون. كان يحمل الطعام في كيس منفصل، ويضعه على الأرض.ثم يبتعد قليلاً. كأنه يعرف أن للكرامة مسافة ينبغي احترامها. لم تثق فيه بدايةً. البشر لا يقومون بشيء من دون مقابل. لكن حليم استمر في المجيء، يوماً بعد يوم، حتى صارت تنتظره. وهو الأمر الذي لم تعترف به لأحد. حليم لها. وإن اقترب أحد منها وهي تستقبله، نسيت جمالها، وعينيها، ومشيتها، وطبقتها، واقتلعت عينه أو أذنه، أو أي شيء يمكنها أن تعضه في جسده.
وفي صباح من صباحات تشرين الندية، استيقظت سميرة قبل الجميع. هي لا تحب الاستيقاظ باكراً، لكنها، في هذا اليوم تحديداً، استيقظت. مدّت جسدها ببطء، نظرت إلى طفليها النائمين على جارب من جوارب بلال هلال الذي أضاعه منذ دهر. رفعت رأسها نحو الجهة المقابلة من الطريق: لم تكن الحاوية هناك.
بقيت تنظر. رمشت مرة. ثم مرة ثانية. اعتقدت بأنها لربما بدأت تخسر نظرها. لا شيء.
المكان بأكمله ما زال نفسه: الرصيف، الشجرة، كابل الكهرباء، الحائط. لكن الحاوية لم تكن هناك.
اقتربت قليلاً. شمّت الهواء. دارت حول المكان. عادت إلى النقطة نفسها. حاولت أن تُطمئن نفسها: لربما نقلوها قليلاً، أو لربما جاءت الشاحنة باكراً، أخذتها لتنظيفها، وستعيدها بعد قليل.
وبقيت سميرة تنتظر. مرّت ساعة ثم أخرى. مرّ بلال هلال أمامها، ولم يلتفت إليها. فتح باب المبنى، وأغلقه. كان كل شيء عادياً بالنسبة إليه. وهذا ما أخافها، أن يكون العالم قد تغيّر، ولم ينتبه اليه أحد.
عند الظهيرة، جاءت تيريز، تحمل كيسها كعادتها، وتتمتم. وصلت إلى طرف الرصيف، توقفت، ونظرت إلى الفراغ. قالت شيئاً للكيس. لم تسمع سميرة ما قالته، لكنها رأت كتفيها يهبطان قليلاً. بقيت تيريز واقفة للحظة، ثم حملت بندوراتها ورحلت.
بعدها جاء طوني، حاملاً كيساً أسود مشنوقاً من عنقه. وقف مكان الحاوية ونظر يميناً، ثم يساراً. بدا غاضباً، كأن أحداً أزعجه شخصياً. ثم حمل كيسه ورحل.
أما رجل اللحم، فلم يأتِ. انتظرته طويلاً. ولم يأتِ.
في المساء، شعرت سميرة بالقلق. وقد أصبح الفراغ الذي تركته الحاوية، مرعباً.
أصبح الفراغ فراغاً في الوقت. لم تعد تعرف متى يبدأ الليل، ولا متى ينتهي النهار. لم تعد تعرف المغيب، من الشروق. كان حاملو الأكياس بوصلتها. تعرف مواعيدهم، فيصبح للقمر وقت ثابت، وللشمس ساعة.
وفجأة، بدأت الوجوه الغريبة تظهر. أجساد نحيلة وعيون لامعة، بأصوات قصيرة ومتقطعة تأتي من تحت السيارات ومن خلف الجدران. لم يكونوا من الحي. أو ربما كانوا دائماً هناك، لكنها لم تكن ترهم من قبل. كانوا يبحثون عن الشيء نفسه. كلهم شمّوا المكان الذي كان، ثم رفعوا رؤوسهم إلى بعضهم بعضاً. لم يكن هناك ما يقال. فالجوع لا يحتاج لغة. في تلك الليلة، لم تنم سميرة. صغيراها التصقا بها. كانا يبحثان عن حليب لم يعد جسدها يعرف كيف يصنعه. دفعت واحداً منهما بلطف، ثم قرّبته إليها من جديد. شعرت بالذنب. ثم شعرت بالغضب. ثم لم تشعر بشيء.
في اليوم الثالث، جاء حليم. رأته من بعيد، هو وعرجه الخفيف. ورأت الكيس في يده. كيسها هي. زادها حباً لحليم. كادت تركض نحوه، لكنها لم تفعل. شيء ما في جسدها تذكّر الكبرياء قبل الجوع. وصل حليم إلى الرصيف. توقف مصعوقاً ونظر إلى المكان: لم يجد الحاوية. بقي واقفاً، والكيس في يده. للمرة الأولى، بدا حليم كمن لا يعرف ماذا يفعل. نظرت إليه سميرة. رآها وابتسم قليلاً، أقله حاول أن يبتسم لها. ثم انحنى، ووضع الكيس على الأرض.
وخرجوا جميعاً في اللحظة نفسها. من تحت السيارة. من زاوية المبنى. من وراء الحائط. من العتمة.
لم ينتظر أحد دوره. لا دَور أمام الجوع. ركضوا نحو الكيس. صرخ أحدهم. عضّ آخر. انقلب الكيس. انتشر الطعام على الرصيف. حاول حليم أن يبعدهم بيديه. صرخ، لكن صراخ حليم خافت وفيه من الحياء ما يمنعه من أن يكون صراخاً. لم يسمعه أحد. صوت الجوع كان مدوياً.
حصل كل شيء بسرعة: عين تخدش، أُذُن تنزف، وجسد صغير يُداس، وأمه تركض تلحس الجسد المهروس هرساً. بقع حمراء كثيرة على الرصيف. فالشارع الذي كان يرتدي السعادة، بات أشبه بمنطقة حرب أهلية. أهلية، لأن العدو غير معروف، ولا معروف السبب. تراجعت سميرة قليلاً، ثم هجمت. لم تعرف إن كانت تدافع عن طعامها، أم عن صغيرَيها، أم عن حليم، أم عن العالم الذي كان موجوداً قبل ثلاثة أيام فقط.
حين انتهى الأمر، كان الكيس فارغاً. وقف حليم في الوسط، مذهولاً تماماً، ويده مرفوعة في الهواء، كأنه نسي أين يضعها. نظرت إليه سميرة وأرادت أن تقترب منه. أن تحضنه كما تعرف أن تحضن. أن تقبّله، بلحسة صغيرة من لسانها على أنفه. لكنها لم لم تفعل.
وفي اليوم الرابع، فهمت أن هناك أشياء لا تعود، كالحاويات، والناس الذين كانوا يرمون أكياسهم. فالشوارع، حين تتغير، لا تعتذر أبداً. عند الفجر، أخذت صغيريها ومشت. وتبعتها أجساد أخرى. لم تعرف الوجهة. مشت كمن صار الترحال قدره، لا يُسائل من أنزَله. قال أحدهم إن هناك حاوية في شارع بعيد. قال آخر إن الشارع بعيد جداً. قال ثالث إن الحاوية هناك لها أهلها، وستكون ميدان حرب جديدة.
لم تعد سميرة من سكان الحي. غادرت مبنى بلال هلال. لم تعد تنتمي. فهي انتمَت الى الحاوية. وقبل أن تنعطف، التفتت وتخيلت حليم يقف بعيداً، بعرجه الخفيف وعينيه اللتين لا تنظران إلى الأشياء كما ينظر الآخرون. وفكرت سميرة: إذا كانوا يستطيعون أن يأخذوا الحاوية، فما الذي يمنعهم من أن يأخذوا حليم؟




