"الثورة لا تُختزل في السلاح، بل هي مشروع ثقافي وأخلاقي قبل أن تكون صراعاً عسكرياً." بهذه العبارة، حوّل عضو اللجنة العليا للسلم الأهلي في سوريا، حسن صوفان، مهمة الثورة باتجاه بناء الدولة وصياغة عقد إجتماعي يقفز فوق موروث ماضي الأسد ونظامه.
على مدار سنوات، انتقل صوفان من زنزانة صيدنايا حيث سجنه نظام الأسد 12 عاماً، إلى هندسة السلم الأهلي في سوريا الجديدة، مروراً بمراحل وتجارب عسكرية وسياسية، التقى فيها مع الرئيس السوري أحمد الشرع في مراحل محددة، وتباينت الآراء بينهما في مراحل أخرى، قبل أن يعينه أخيراً عضواً في مجلس الشعب السوري.
ثورة مصغرة داخل صيدنايا
بُعيد اعتقاله في العام 2004، وسجنه 12 عاماً في "صيدنايا"، تراجع الحديث عن رجل ولد العام 1977 في مدينة اللاذقية، واختبر التنوع الاجتماعي والطائفي فيها، ودرس الاقتصاد والشريعة.. لكن هذا الرجل، عاد الى الضوء في العام 2008، إثر تأديته دوراً في أحداث السجن العام 2008، وبات الإفراج عنه هدفاً أول في لوائح المعارضة السورية، وأُفرج عنه أواخر العام 2016 في إطار صفقة تبادل أسرى بين المعارضة المسلحة والنظام السوري.
في بودكاست سابق، وصف صوفان تمرد صيدنايا بـ"ثورة مصغرة." تحدى النظام في عز قبضته الأمنية، وقال: "زرعت تلك التجربة فيّ بذرة التحدي." ومنها، صاغ تجربته اللاحقة، حين تحول من معتقل سياسي، إلى قائد عسكري لفصيل معارض، ثم إلى مسؤول في مؤسسات الدولة خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد.
صعود سريع داخل المعارضة
لم يمض وقت طويل على خروجه من السجن حتى دخل المشهد العسكري بقوة. ففي آب 2017 انتُخب قائداً عاماً لـ"حركة أحرار الشام الإسلامية"، التي كانت آنذاك إحدى أكبر وأقوى فصائل المعارضة المسلحة في شمال سوريا. لكن قيادته جاءت في توقيت بالغ الصعوبة. فقد كانت الحركة تواجه أزمة وجودية نتيجة تصاعد نفوذ "هيئة تحرير الشام"، التي نجحت خلال تلك الفترة في ترسيخ سيطرتها العسكرية على محافظة إدلب.
ورغم أن "أحرار الشام" و"هيئة تحرير الشام" قاتلتا جنباً إلى جنب ضد قوات النظام السوري في سنوات سابقة، فإن العلاقة بينهما تحولت تدريجياً إلى تباينات حول قيادة المعارضة المسلحة، وإدارة المناطق المحررة. وفي صيف 2017 اندلعت مواجهات مباشرة بين الطرفين انتهت بخسارة "أحرار الشام" معظم مواقعها الاستراتيجية في إدلب، لتصبح "هيئة تحرير الشام" القوة العسكرية الأكثر نفوذاً في المنطقة.
مرونة سياسية
في العام 2018، شارك حسن صوفان في تأسيس "جبهة تحرير سوريا"، التي ضمت حركة أحرار الشام وحركة نور الدين الزنكي، وتولى قيادتها في محاولة لتوحيد قوى المعارضة المسلحة وموازنة نفوذ هيئة تحرير الشام.
لكن التجربة لم تستمر طويلاً، إذ أخفقت الجبهة في تغيير موازين القوى على الأرض، لتبقى هيئة تحرير الشام الطرف الأكثر سيطرة في شمال غربي سوريا، مما دفعه للانكفاء عن العمل الفصائلي المباشر، وتمتين العلاقات السياسية بما يحفظ إدارة مستقرة للشمال السوري المحرر، يمهد لاحقاً لانتصار على النظام.
وصوفان، لم يكن شخصية صدامية مع قوى المعارضة، بل اتسمت تجربته بالمرونة. طوال تلك التجارب، حافظ على خطوط التواصل مع "هيئة تحرير الشام"، تمهيداً لصياغة المرحلة المقبلة، وهي ملكة سياسية أدركها جيداً قائد الهيئة آنذاك الرئيس الحالي أحمد الشرع.
من السلاح إلى مؤسسات الدولة
أعاد سقوط نظام بشار الأسد أواخر 2024 رسم الخريطة السياسية السورية، وفتح الباب أمام انتقال عدد من قيادات الفصائل المسلحة إلى مؤسسات الدولة. قال صوفان إن "تحرير دمشق لم يكن نهاية الطريق، بل إيذاناً ببدء معركة أكثر تعقيداً." واعتبر أن التحدي هو بناء الدولة، بقوله: "النصر الحقيقي هو أن نمنح أبناءنا سوريا لا تكرّر أخطاء الماضي".
استناداً الى تلك الأدبيات، كان الشخصية المؤهلة ليشغل موقع عضو في اللجنة العليا للسلم الأهلي، وهي لجنة أوكلت إليها ملفات حساسة تتعلق بالمصالحة المجتمعية، واحتواء التوترات، والمساهمة في إدارة مرحلة العدالة الانتقالية. ويمثل هذا الانتقال تحولاً لافتاً في مسيرته؛ فمن قائد لفصيل مسلح إلى مسؤول يعمل ضمن مؤسسة رسمية معنية بإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوري.
بُعيد تعيينه في اللجنة العليا للسلم الأهلي، وصف المهمة بالقول: "هذه المهمة أصعب من القتال المسلح"، مضيفاً: "العدالة ليست انتقاماً، بل اعتراف بالأخطاء وبداية لبناء ثقة جديدة".
نموذج التحوّل
وبات حسن صوفان من الشخصيات التي تمثل نموذجاً للتحول من الشق العسكري، الى العمل السياسي والمؤسسي. خبرته في إدارة النزاعات تساعده في إنجاح جهود السلم الأهلي، خصوصاً في مجتمع خرج من حرب استمرت أكثر من عقد. هذا الواقع، تحدث عنه في مؤتمر صحافي في دمشق العام الماضي: "إن إجراءات السلم الأهلي تتصل مباشرة بتهدئة التوتر المجتمعي وتمهيد الأرضية الصلبة لدولة المواطنة والقانون." وأكد أن "العدالة الانتقالية التي ينشدها السوريون ستتحقق بشكل أفضل بتحكيم العقل ومحاسبة كبار المجرمين."
من هذه التجربة، يخطو صوفان باتجاه مجلس الشعب، معيّناً من قبل الرئيس الشرع، الى جانب ناشطين كانوا في المرحلة السابقة ضمن الاطار السياسي والعسكري، ومن بينهم العضو المعين أيضاً أحمد عمر زيدان "حجي حريتان"، ويختبر هؤلاء الانتقال من التجربة العسكرية والسياسية المعارضة، الى الإطار المؤسساتي.




