قيود على "انتقام مواطن"...جدلية الهجرة واليمين في أوروبا

مصطفى الدباسالثلاثاء 2026/06/30
Image-1782827863.Webp
من فيلم "انتقام مواطن"
حجم الخط
مشاركة عبر

أثار فيلم انتقام مواطن (Citizen Vigilante)  نقاشاً حاداً في ألمانيا والعالم ككل بعد رفض "هيئة التصنيف الألمانية (FSK) منحه تصنيفاً عمرياً، مما حدّ عملياً من فرص توزيعه في دور السينما والمنصات داخل ألمانيا.

وتدور قصة الفيلم الذي أخرجه الألماني المثير للجدل، أوفي بول، ويؤدي بطولته آرميي هامر، حول رجل أعمال أميركي يعيش في كرواتيا ويفقد ثقته بالقضاء، ما يدفعه لاتخاذ قرار بتنفيذ العدالة بيده ضد من يعتبرهم مجرمين. واتسع الجدل بعد دخول رجل الأعمال الأميركي المعروف بمواقفه العنصرية المتطرفة إيلون ماسك على الخط عبر منصة "إكس"، حيث ساهم في تحويل الفيلم إلى قضية سياسية مرتبطة بالهجرة وحرية التعبير والرقابة وصعود اليمين الشعبوي في أوروبا.

الجريمة والمهاجرون

وتتحرك قصة الفيلم داخل سردية تربط بين الجريمة والمهاجرين، وبين فشل الدولة والحاجة إلى منتقم فردي، وهنا تحديداً تبدأ المشكلة السياسية لأن الفيلم يقدم دوافع الرجل المنتقم كاستجابة مفهومة أو حتى ضرورية أمام عجز النظام القانوني، الأمر الذي جعل النقاد والسلطات في ألمانيا تقرأ قصة العمل كخيال انتقامي يغذي خطاباً معادياً للمهاجرين في لحظة سياسية مشحونة سلفاً بالعداء ضد المهاجرين واللاجئين وصعود الأحزاب الشعبوية المتطرفة.

واشتهر مخرج الفيلم منذ سنوات بأفلام ذات تقييمات نقدية قاسية، خصوصاً اقتباساته عن ألعاب الفيديو، وبأسلوب صدامي مع النقاد والمؤسسات، لذلك فإن صورته العامة كمخرج استفزازي سبقت الفيلم، ما جعل النقاد يستقبلونه  بوصفه عملاً يهدف بشكل مباشر إلى تحقيق استفزاز سياسي. ورغم أن تقييمات عديدة وصفت الفيلم بأنه كسول ورديء فنياً، إلا أن الجدل الأكبر كان حول أثره المحتمل لأنه يعكس مخاوف موجودة في المجتمع، لكنه يعيد إنتاجها بطريقة تحريضية.  

 

صراعات حول الهجرة

وتحمل هذه السردية في ألمانيا ثقلاً كبيراً على مفهوم الديموقراطية والتناغم المجتمعي، لأن الهجرة تحولت من  ملف إداري يتعلق باللجوء والعمل والاندماج، إلى ساحة صراع انتخابي وهوياتي ضمن سياق سياسي واجتماعي مضطرب ومرتبط بصعود حزب البديل من أجل ألمانيا AfD، وارتفاع نسب التصويت له وتصاعد القلق من الجريمة والهجرة، خصوصاً بعد حوادث ارتكبها أجانب أو طالبو لجوء وتم تداولها بكثرة سياسياً وإعلامياً. في هذا المناخ، يربط الفيلم المهاجر بالجريمة، ثم يجعل القتل الفردي شكلاً من أشكال استعادة العدالة، وهذه مادة قابلة للاشتعال. وهنا  يمكن فهم قرار "هيئة التصنيف" بأنها إجراء متعلق بحماية القُصّر من العنف وتقليل انتشار عمل قد يفاقم التوتر الاجتماعي، حتى لو لم تعلن الهيئة ذلك بهذه اللغة السياسية المباشرة.

لكن القرار الألماني لا يعني حظراً كاملاً لأن عدم منح الفيلم تصنيفاً عمرياً يعني عملياً أن توزيعه التجاري سيصبح صعباً جداً، وخارج السوق الاعتيادية، لكنه لا يمنع عرضه أو بيعه للبالغين، وهذه بالضبط المساحة الرمادية  التي التقطها ماسك وحوّلها إلى سردية جاهزة "ألمانيا تمنع فيلماً لأنه يقول الحقيقة". وبالتالي أدخل ماسك طبقة جديدة من الجدل، وأسئلة مثل: "هل تمارس أوروبا رقابة سياسية على ما لا يعجبها؟".

 

تدخل ماسك

وتدخل ماسك، بصفته شخصية عالمية ومالكاً لمنصة (X)، منح الفيلم زخماً واسعاً خارج سياقه السينمائي، وساهمت مشاركته للفيلم وإتاحته مجاناً ولمدة يومين عبر المنصة في توسيع انتشاره وتحويله إلى قضية سياسية عابرة للحدود، بعدما استخدمه كمثال جديد في معركته ضد ما يصفه بـ"الرقابة"، خصوصاً في أوروبا. وجاء اختياره لهذا الفيلم ضمن قضية تقع في صلب خطاب اليمين الشعبوي، حيث تتداخل الهجرة والجريمة وفشل الدولة مع سردية تتهم النخب والمؤسسات بحجب الحقيقة عن الجمهور.

ويتصل هذا النمط بدعم ماسك المعلن لحزب البديل من أجل ألمانيا. فقد دعا الألمان إلى التصويت للحزب واستضاف زعيمته أليس فايدل في بث عبر منصته "إكس" خلال الحملة الانتخابية الألمانية، ما أثار مخاوف من تدخل مالك منصة عالمية في السياسة الداخلية لدولة ديموقراطية.

ولا يقتصر تفسير هذا الدعم على عامل واحد. فمن جهة، يتبنى ماسك خطاباً معادياً لما يصفه بـ"الرقابة"، و"الووك" والإعلام التقليدي، والمؤسسات الليبرالية. ومن جهة أخرى، تتقاطع مواقفه مع مصالح اقتصادية وتنظيمية مباشرة، إذ يملك شركات "تيسلا" و"ستار لينك" و"إكس" التي تعمل أو تسعى إلى التوسع داخل سوق أوروبية تخضع لقواعد صارمة. ويفرض الاتحاد الأوروبي قيوداً واسعة على المنصات الرقمية بموجب "قانون الخدمات الرقمية"، كما غرّم منصة "إكس" 120 مليون يورو بسبب خروق تتعلق بقواعد المحتوى والشفافية، في أول عقوبة من نوعها ضمن هذا الإطار التشريعي.

 

تنظيمات اقتصادية

وتتعامل أوروبا مع شركات ماسك بوصفها كيانات خاضعة لتنظيمات واسعة، تشمل السيارات الكهربائية، وخدمات الاتصال، والمنصات الرقمية. ويفرض الاتحاد الأوروبي قواعد على الخوارزميات، والإعلانات، والمحتوى غير القانوني، وخطاب الكراهية، وإتاحة البيانات للباحثين. وفي هذا السياق، يمنح صعود أحزاب تشكك في الاتحاد الأوروبي وتهاجم البيروقراطية وتتبنى خطاب "حرية التعبير" غير المشروطة مساحة سياسية أوسع لسردية ماسك ومصالحه التنظيمية. وتكشف هذه العلاقة تقاطعاً واضحاً بين مواقفه السياسية ومصالحه الاقتصادية والتنظيمية داخل السوق الأوروبية.

وتزداد حساسية هذا التقاطع في ألمانيا بسبب وجود مصنع  لشركة السيارة الكهربائية "تيسلا" في ولاية براندنبورغ، وبسبب النقاشات البيئية والنقابية والتنظيمية التي رافقت عمل الشركة هناك، لا سيما بعدما سبب تقارب ماسك مع اليمين الأوروبي ضرراً في صورة  الشركة في بعض الأسواق، وأثار رد فعل عكسياً لدى مستهلكين يرون مواقفه السياسية تهديداً للقيم الديموقراطية والتنوع الاجتماعي. ويشير هذا المسار إلى رهان سياسي أوسع لدى ماسك على بيئة أوروبية أقل تشدداً تجاه شركاته، وأكثر تقبلاً لخطابه حول السوق والمنصات الرقمية.

 

جدلية ماسك في أوروبا

وامتد تدخل ماسك في السياسة إلى دول أخرى  في أوروبا وخارجها. ففي بريطانيا، دخل في نقاشات حساسة حول الهجرة والجريمة والاستغلال الجنسي. وفي البرازيل، اصطدم بالقضاء بعد أوامر تتعلق بحسابات متهمة بنشر التضليل. وفي الأرجنتين، أبدى تقارباً واضحاً مع الرئيس الليبرتاري خافيير ميلي. وتكشف هذه الحالات نمطاً متكرراً في مواقف ماسك، يقوم على مهاجمة المؤسسات المنظمة، ودعم شخصيات أو قوى يمينية وليبرتارية، وتقديم منصة "إكس" كمساحة تواجه النظام وتدافع عن "حرية التعبير".

 

ماسك وترامب

ويرتبط هذا السياق بعودة دونالد ترامب إلى السلطة في الولايات المتحدة، فقد أعادت سياساته المتشددة تجاه الهجرة واللجوء منح اليمين الشعبوي العالمي زخماً إضافياً، ووفرت نموذجاً سياسياً أجرأ في مهاجمة الهجرة والمؤسسات الليبرالية، كما دعمت المحكمة العليا الأميركية أجزاء مهمة من أجندة ترامب في ملف الهجرة، شملت سياسات مرتبطة بتقييد معالجة طلبات اللجوء.

وتوضح هذه المعطيات طبيعة العلاقة بين ترامب وماسك واليمين الأوروبي، حيث يوفر ترامب غطاءً سياسياً من داخل الولايات المتحدة، التي قدمت نفسها لعقود كحامية للديموقراطية الليبرالية، ويوفر ماسك البنية الإعلامية والتضخيم عبر منصته ونفوذه المالي وعلاقاته مع اليمين الشعبوي، فيما تترجم الأحزاب الشعبوية الأوروبية هذه الموجة محلياً عبر ملفات الهجرة والأمن والهوية ورفض "نخب بروكسل". كما يمنح النموذج الترامبي شرعية جديدة لأفكار ارتبطت سابقاً بالهامش السياسي مثل إغلاق الحدود والتشدد مع اللاجئين ومهاجمة الإعلام والتشكيك بالمؤسسات وتصوير الضوابط القانونية كعقبات أمام "إرادة الشعب".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث