وكأنّ طريق المطار في بيروت تنتفي عنه صفةُ الطّريق. أكثر من ثلاثة عقود مرّت وهذا الشريط القصير الممتدّ بين العاصمة ومطارها يجسِّدُ مدخلاً إلى سرديَّة "حزب الله" الكاملة. كلّ شيء فيه يأتي مضخَّماً وأكبر من وظيفته الطبيعيّة. الإسفلت الذي يعبِّدُ الطريق أضحى بياناً سياسياً والسواتر الترابية التي مرّت على هذه البقعة صارت خطاباً يقول ما لا يقوله الحزب وأتباعه عن أنفسهم.
تؤدي الطرق وظيفة بسيطة، هي صلة الوصل بين الأماكن المتباعدة. هذا ما يحصلُ في البلدان الطبيعيّة. أمّا في لبنان، أُنيط بطريق المطار أن ينقل الناس أيضاً من واقعهم إلى عقيدة، ومن الدولة إلى الجبهة، ومن الجغرافيا إلى أيديولوجيا الحزب. هذه المسافة القصيرة بين العاصمة ومطارها، أخذت على عاتقها طيلةَ سنوات، أن تذكّر اللبنانيين بأنهم يعيشون داخل معركة، حتى عندما يكونون ذاهبين لاستقبال قريب أو توديع مسافر.
مساحة تعبئة
يجدُ الناظر إلى هذه المفارقة أنّ الطريق الذي قال الحزبُ إنّه سيؤدّي إلى تحرير فلسطين، لم يؤدِّ في نهاية المطاف إلا إلى تثبيت فكرة أخرى. الدولة يمكن أن تُعلّق إلى أجل غير مسمّى حين يصبح مدخل العاصمة مساحة تعبئة دائمة.
المراقب لهذا المشهد يكتشف أنّ طريق المطار كان اختصاراً للبنان بأكمله. البلد هذا نفسه اعتاد أن يعيش داخل القضايا الكبرى، فيما يعجز عن إدارة أسئلته الصغيرة. يرفع سقف الشعارات إلى حدود القدس، لكنه يعجز عن خفض كلفة الطريق إلى المطار. يتحدّث عن موازين القوى في الإقليم، فيما مواطنوه يبحثون عن ميزان كهرباء أو ماء أو قضاء أو إدارة. الرمزية في هذا البلد أقوى من الواقع. ففي كلّ مرّة يزدادُ الواقع هشاشة، يزدادُ اللجوء إلى الرمز والاستثمار فيه. أكّد حزب الله على مدى عقود مترامية، أنّ الشّعار في بلد مثل لبنان لا يحتاج إلى موازنة، واللافتة المعدَّة للتعبئة لا تحتاج إلى حكومة. يكفي أن يقرّر الحزب مع الشركة المتعهّدة أمراً فيحدث أو ينتهي.
تعريف بالحاكم السياسي
الحروب الطويلة تبرّر كل شيء، حتى غياب الدولة نفسها. مع حزب الله وحروبه، فقدَ طريق المطار شيئاً فشيئاً، صفته المدنية. صار تعريفاً بحاكمه السياسي غير المعلن. القادم إلى بيروت كان يقرأ، قبل أن يرى المدينة، هوية القوة التي تحتلّ الفضاء العام برموزها. وصارت السيادةُ تقاسُ بما تستطيع القوى السياسية أن تعلّقه على الجدران.
ربما التحوّل الأخطر يكون هنا، في هذا الاحتلال الحقيقي للفضاء العام من خلال الرموز والسرديات والحوادث وقطع الطرقات، والى تفاصيل لا تنتهي قام بها الحزب لجعل هذه الذاكرة احتكاراً له وحكراً عليه. وبطبيعة الحال، عندما يحتكر طرف واحد تعريف المكان، يفقدُ المكان قدرته على تمثيل الجميع.
تطبيع مع المشهد
المؤلم في الأمر أنّ اللبنانيين اعتادوا هذا المشهد لدرجة أنهم فقدوا القدرة على ملاحظته. صار من الطبيعي أن يكون مدخل العاصمة محلاً لإعلان جبهة أو تقديس أشخاص ساهموا بشكل أو بآخر في خراب هذه البقعة من لبنان والمنطقة. صار من الطبيعي أيضاً أن تختلط حدود الدولة بحدود المشروع السياسي للحزب، هذا لو افترضنا قائمةً له أو مشروعاً سياسياً.
هل طريق المطار هو مدخلٌ لدولة أم ساحة لها جبهة؟ وهل يجوز أن يبقى المدخل الأول إلى البلاد إعلاناً سياسياً دائماً؟ لا أحد يدري. وقطعاً، ليس المطلوب إزالة الذاكرة، ولا شطب تاريخ أحد. المطلوب فقط أن تستعيد الدولة حقها في أن تكون هي صاحبة الرواية الأولى.
نسخات لبنان
من الطبيعي والمنطقي في لبنان، أن يدخل الزائر فيرى لبنان. من غير الطبيعي أن يرى الزائر نسخةً واحدة من هذا البلد. من الواجب أيضاً أن يشعر اللبناني، أيّاً كان انتماؤه، بأنّ الطريق الذي يعبره هو طريقه أيضاً. من حقّ العابر أيضاً أن يشعرَ أنّ هذه الطريق التي يسلكُها هي طريقه كمواطن بعيداً من فكرة قضية يحتكرها فريق.
في نهاية الأمر، الطرق تشبه البلدان. إن قدِّرَ لها أن تكون مفتوحة للجميع، دلّت على دولة. وإن كانت مخصّصة لرواية واحدة، دلّت على شيء آخر. ولعلّ مأساة الحزب، منذ عقود، أنّه لم يعرف كيف يحوِّل جبهاته إلى طرق، فيما نجحت جماعات سابقة عليه، وكثيرة، في تحويل طرقها إلى مستقبل أو حاولت على الأقل. بقي الحزب يخلط بين الاثنين، حتى صار الطريق نفسه جبهة، وصارت الجبهة، شيئاً فشيئاً، بديلاً من الوطن وسابقة عليه.




