السوريون يستعيدون سماءهم: فيروز والساروت بداية ونهاية

مصطفى الدباسالأحد 2026/06/28
Image-1782648912.Png
من اعلان شركة "السورية" للطيران (سوشيال ميديا)
حجم الخط
مشاركة عبر

أثار المقطع الترويجي الذي نشرته "الشركة السورية للطيران" بعنوان "السماء رجعت إلنا" تفاعلاً واسعاً في مواقع التواصل، لأنه لمس واحدة من أكثر الصور حساسية في الذاكرة السورية، وهي السماء.

لم تكن السماء خلال سنوات الحرب في سوريا فضاءً محايداً بالنسبة إلى ملايين السوريين، وكان صوت الطائرة إنذاراً بالخطر، كما كان ظلها فوق البيوت كافياً لإثارة الرعب بعدما استخدم نظام الأسد الطيران الحربي والبراميل المتفجرة والصواريخ في قصف مناطق مأهولة بالسكان. لذلك بقي صوت الطائرة حتى المدنية منها، قادراً على استدعاء ذاكرة طويلة من الخوف والنجاة.

 

أماكن مألوفة

من هذه النقطة بنى الإعلان فكرته، فلم يبدأ من المطار أو مقعد الطائرة، بل من حارة شعبية ومن حانوت صغير وبائع مسن يقرأ الجريدة وأطفال يلعبون في الشارع، ولا يحدد المقطع اسم الحي لكنه يراهن على أن السوري سيتعرف إليه من الحجر والخشب والبضائع والضوء وضيق المحل واتساع الحارة خارجه، فالمكان هنا يشكل الذاكرة الجمعية.

وتنتقل الكاميرا إلى أطفال يلعبون "الدحاحل"، وهي لعبة تحمل حنيناً خاصاً لجيل الثمانينيات والتسعينيات، حين كانت الحارة مساحة لعب وعلاقات يومية. يصرخ أحد الأطفال باللهجة الشامية: "صبتها"، فيأتي أول إيحاء بأن القصة تدور في دمشق أو بيئة قريبة منها، وخلفه تظهر طفلة تنظر إليه بإعجاب طفولي وتعدل شعرها بعفوية، وهكذا لا يقول الإعلان للمشاهد تذكر طفولتك بل يضعه داخلها مباشرة.

 

حياة الناس اليومية

يملأ الإعلان هذه الحارة بعلامات مألوفة مثل الياسمين والنحلة والغسيل الأبيض المنشور على سطح المنزل والمرأة التي تطهو والسيدة التي تنادي الأطفال ووالبيوت القديمة. 

وتختصر لقطة النحلة فوق زهرة الياسمين الكثير، لأن هذه الزهرة في المخيلة السورية والدمشقية خصوصاً، مرتبطة برائحة البيت والنافذة والمدينة، أما البطاطس التي تقليها السيدة، فتشير إلى بيوت بسيطة وفقيرة لكنها متمسكة بالحياة.

ثم تأتي النقلة الدرامية عندما يسمع صوت طائرة فيتبدل المشهد كله. ما كان حنيناً يصبح خوفاً ويخرج الرجل المسن من حانوته ويرفع الأطفال رؤوسهم إلى السماء وتتوقف الحركة والصوت وتتحول الوجوه إلى مرايا لقلق قديم، وهنا لا يحتاج الإعلان إلى إظهار قصف أو انفجار، إذ يكفي صوت الطائرة وحده في ذاكرة الحرب السورية على إكمال المشهد.

تزداد فعالية اللحظة مع ظل الطائرة الذي يمر فوق أسطح المنازل، ولا يعرف المشاهد في البداية ما نوع الطائرة، وهذا هو جوهر التوتر. هل هي طائرة موت أم طائرة حياة؟ بهذا الانتظار القصير ينقل الإعلان الجمهور من زمن الحارة والطفولة إلى زمن الحرب، من دون خطاب مباشر أو مشاهد دمار.

 

استعادة السماء

ويأتي الكشف حين تظهر الطائرة المدنية بشعار السورية للطيران، وينقلب المعنى، لأن الطائرة التي بدأ ظلها كتهديد تتحول إلى وعد ويواصل الأطفال النظر إلى السماء، لكن الخوف يتراجع وتظهر الابتسامات. وهنا يذكر الإعلان المشاهد أن الطائرة لم تعد أداة قصف، بل وسيلة سفر وعودة. وهذه هي الفكرة الأساسية للإعلان: إعادة امتلاك السماء، وتحويلها من رمز للقتل إلى رمز للأمان.

ويلعب الصوت دوراً حاسماً في هذا التحول، حيث يبدأ المقطع على موسيقى فيروز، بما تحمله من معاني البيت والحنين والبلد البعيد، وفي الجزء الأخير تحضر أغنية "جنة يا وطنا" للشهيد عبد الباسط الساروت، فتنتقل الدلالة من الحنين العام إلى الذاكرة السياسية للثورة، أما صوت المضيف داخل الطائرة، حين يعلن الوصول إلى دمشق ويشير إلى الحارات القديمة وغوطة دمشق، "دار الشهداء وبيت الأحرار"، فيحوّل الرحلة إلى طقس عودة  من المنفى إلى سوريا المحررة.

وهنا نرى وجوه الركاب باكية ومبتسمة، رجل مسن تلمع عيناه وامرأة تضع يدها على صدرها وركاب يلتفون بالعلم السوري، حيث يقدم الإعلان نماذج رمزية من المغترب واللاجئ والعائد والأم والأب، ومن حمل البلد في ذاكرته طويلاً. لذلك كان مفهوماً أن يكتب بعض المتابعين أن الإعلان عبّر عن فرحة المغتربين بالعودة إلى وطنهم.

 

ذكاء اصطناعي

واعتمد الإعلان على الذكاء الاصطناعي في إنتاجه البصري، وتفتح هذه النقطة ملاحظة فنية مهمة. فمن جهة، منح الذكاء الاصطناعي المقطع قدرة على إنتاج مشاهد سينمائية بسرعة وكلفة أقل، في بلد ما زالت فيه شروط الإنتاج البصري صعبة. ومن جهة أخرى، تظهر في بعض اللقطات ملامح واضحة للصورة المصنوعة مثل نعومة زائدة في الوجوه ومثالية في الإضاءة وبعض الافتعال في الحركة والتفاصيل. لذلك رأى بعض المعلقين أن الفكرة كانت ستبدو أقوى لو نفذت بتصوير حقيقي وممثلين حقيقيين. وهذا نقد وجيه لأن موضوعاً مرتبطاً بالحرب والذاكرة كان يحتمل واقعية أكثر خشونة وأقل تلميعاً. مع ذلك، لا يمكن إنكار أن قوة الفكرة غطت على كثير من محدوديات التقنية لأن الذكاء الاصطناعي لم يصنع المعنى وحده وإنما  خدم فكرة مكتوبة بحساسية. 

ويبقى السؤال الأخلاقي حاضراً: هل يجوز لشركة طيران أن تستخدم ذاكرة القصف والخوف في إعلان تجاري؟ والجواب أن ليس كل استدعاء للمأساة استغلالاً، فالفن والإعلان قادران على إعادة معالجة الذاكرة إذا فعلا ذلك بصدق واحترام، وإعلان السورية للطيران نجح لأنه لم يستخدم الحرب كديكور و بنى فكرته على انقلاب معنى الطائرة في حياة السوريين. لكنه في الوقت نفسه ليس بريئاً بالكامل، لأن الهدف النهائي هو تسويق خدمة تجارية عبر دموع الناس وحنينهم.

 

أسعار تذاكر السفر

وهنا يجب الحديث عن أسعار تذاكر الرحلات في السورية للطيران، فإلى جانب الإعجاب بالفكرة، كتب كثيرون أن الأسعار مرتفعة جداً، وهنا ينتقل الإعلان من السماء إلى الأرض، وإذا كانت العبارة المركزية هي "السماء رجعت إلنا"، فالسؤال يصبح: لمن عادت فعلاً؟

وتظهر أسعار بعض الرحلات من دمشق إلى إسطنبول أو الشارقة أو دبي عبر شركات منافسة ضمن نطاقات قد تصل إلى مئات الدولارات للذهاب والعودة، وهي مبالغ كبيرة جداً إذا قورنت بمتوسط الرواتب داخل سوريا. بذلك قد تعادل تذكرة واحدة راتب عدة أشهر لموظف، فيما يصبح السفر العائلي حلماً مكلفاً. لذلك لا يمكن فصل الوعد العاطفي في الإعلان عن القدرة الشرائية،  فالسماء لا تعود إلى الناس بمجرد ظهور طائرة مدنية فوق دمشق، بل حين يصبح السفر آمناً ومتاحاً وممكناً اقتصادياً.

ونجح الإعلان لأنه فهم أن السوريين لا يحتاجون إلى دعاية عن راحة المقعد أو جودة الخدمة، بل إلى صورة تعالج علاقتهم المكسورة مع السماء، وهنا باع الإعلان معنى أكثر مما باع رحلة، حيث قدم فكرة العود الأمان ومصالحة رمزية مع فضاء كان لسنوات مرادفاً للموت.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث