ليس أحلى من كشّ الحمَام

نسرين النقوزيالسبت 2026/06/27
تجهيز بعنوان "سيّاح، آخرون، أشباح" للإيطالي ماوريزيو كاتلان، في سقف غاليري العرض
تجهيز بعنوان "سياح، آخرون، أشباح" للإيطالي ماوريزيو كاتلان، في سقف غاليري العرض
حجم الخط
مشاركة عبر

قرأتُ كتاباً منذ ما يزيد عن ثلاثين سنة، نسيتُ عنوانه، لكنه عن كيفية قراءة أي كتاب بشكل عام. لا أدري لماذا علقت جملة أو نصيحة في ذهني حتى اليوم: وجوب التمعن والتلذذ بكل جملة من النص على حدة، وكأنها حبكة مستقلة عما قبلها وما بعدها. أما القراءة بهدف الوصول إلى النهاية/الهدف، لمعرفة ما سيحصل في آخر الكتاب، فهذا النوع من القراءة يحرمك من عيش لحظة ومتعة إدراك التفاصيل التي هي بدورها أهم بكثير من معرفة النهايات.


يصحّ تطبيق هذه النصيحة على الحياة نفسها.
هل نعيش أيامنا فعلاً أم نؤديها فسحب؟ ما معنى عبارات متكررة نسمعها كل يوم، بأننا لا نفعل شيئاً مهماً ونكتفي بعدّ الأيام؟ ما هو "الشيء المهم" الذي إذا أنجزناه، في نهاراتنا وليالينا، يُحسب لنا بأننا لم نضيّع وقتنا الثمين؟ كيف نعيش اللحظات، لحظة بلحظة، من دون عقدة ذنب، وكي لا يُقال عنا بأننا "نكشّ حَمَام"؟


هذا "اللهاث العبثي" لفعل أي فعل هو تشخيص دقيق لما تطلق عليه الدراسات الحديثة اسم "الإنتاجية السامة" (Toxic Productivity). في دراسة نشرتها مجلة Harvard Business Review، يتضح أن الركض المستمر ومطاردة لوائح المَهام لم يعد دليلاً على النجاح، بل صار "آلية دفاعية" هرباً من مواجهة الفراغ أو العجز أمام الواقع الكلي الذي لا نملك القدرة لتغييره. لقد أقنعتنا الماكينة الحديثة بأن قيمتنا الإنسانية تساوي حصيلة إنتاجنا. فإذا مضى نهارك من دون "إنجاز ملموس" يُقدّم في سوق الاستعراض اليومي، جلستَ في سهرتك مثقلاً بذنب "ضياع الوقت". لكن، مَن الذي أفتى أصلاً بأن "الصفنة" الطويلة مرادف لـ"كشّ الحمام"؟


تفجر الأبحاث السيكولوجية المعاصرة هذه المفارقة من جذورها. في بحث مخبري منشور في مجلة Psychological Science حول ظاهرة "تجويل العقل" (Mind-Wandering)، تبين أن اللحظات التي يقتطعها الإنسان ليرتاح فيها تماماً، صافناً في الفراغ بلا هاتف وبلا خطة، هي اللحظات الأكفأ في ترميم الدماغ وإعادة تنظيم القلق المتراكم. "فعل اللاشيء"، هو حاجة بيولوجية وجودية للحفاظ على إنسانيتنا، وليس مؤشراً على الكسل.


المفارقة تكمن في أنك حين تمضي في وظيفتك تسع ساعات، وتعود غارقاً في روتين ميكانيكي مكرر، قد تكون — بمعيار العمر الحقيقي — قد ضيعت نهارك بالكامل، لأنك أنفقته كترسٍ في آلة لا تشبهك، "أدّيت" يومك ولم تعشه. في حين أن تلك الساعة التي أمضيتَها تراقب  تعابير رجل مسنّ يجتاز الشارع وحيداً، أو تتلذذ بتصفح ألبوم العائلة الذي تكدّس فوقه الغبار من دون تفكير في "الخطوة التالية"، هي الساعة الوحيدة "الفعلية" في تاريخ يومك "الحافل".


كي نبرأ من تهمة "تضييع الوقت"، صرنا في حاجة إلى دليل مصوَّر. نرفع صورة فنجان القهوة أو الكتاب لنثبت للآخرين — ولأنفسنا أولاً — بأننا منتجين ومهمين.


لو تأمَّلنا أجمل ذكرياتنا لوجدنا أن معظمها لم يكن "مهماً" بالمعنى المتداول للكلمة. لا نتذكر عادةً الساعات التي انشغلنا خلالها بتحقيق الأهداف، بل نتذكر تفاصيل صغيرة بدت عابرة لحظة حدوثها: ضحكة غير متوقعة، رائحة بيت قديم، حديث طويل بلا موضوع محدد، أو ليل مليء بالنجوم... كأن الحياة الحقيقية لا تُصنع في المحطات الكبرى، بل تتراكم بهدوء داخل تلك التفاصيل التي ظننّاها هامشية.

 

الثقافة المعاصرة لوثت، حتى أوقات فراغنا، وحولتها إلى عبء استعراضي، حيث يُطالَب المرء دوماً بإمساك زمام الأمور، بالانضباط، وبالتحكّم في اليومي ليعوّض عجزه عن التحكم في المصيري.

على فكرة "كش الحمام " ليس بهذا السوء. سأكشّه على راحتي ، متى أردت.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث