لعلها المرة الأولى التي يدفع فيها سخط "السوشيال ميديا"، الناس الى الشارع، وليس العكس. منذ إعلان اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية في واشنطن، سارع أنصار "حزب الله" وأبناء الجنوب الى اعتبار الاتفاق وثيقة إذعان لبنانية لشروط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وتعزز ذلك بتقديرات غير دقيقة بأن ما جرى هو اتفاق "تطبيع"، ما دفع الغاضبين الى الشارع.
والسخط هنا، تغذى من شعور بالانكسار أولاً، ومن احتفالات خصوم "حزب الله" الذي رأوا في الاتفاق انتصاراً كبيراً على الحزب وإيران معاً.
فالشعور بالإنكسار، يعود الى تقدير بأن الدولة اللبنانية خذلتهم، وحققت لإسرائيل ما لم تستطع تحقيقه في الميدان، وعرضت مآسيهم وأملاكهم للبيع في "اتفاق استسلام" لا يعيدهم الى بلداتهم، كما قال نتنياهو، ولا يوفر لهم الأمان، استناداً الى ما صدر عن تل أبيب التي تحدثت عن "حرية الحركة" لجيشها، إضافة إلى ما صدر في الفقرة 13 من الاتفاق نفسه إذ يمنعهم من مقاضاة إسرائيل قانونياً وسياسياً على جرائمها السابقة أو اللاحقة، علماً أن الاعتراض على هذه النقطة يتشاركه الحقوقيون والصحافيون مع أبناء الجنوب وجمهور الحزب.
هذا السخط، تعزز باحتفالات الخصوم. يرى مناصرو الحزب أنها "لحظة فارقة ينتظرها خصومنا منذ سنوات"، ويقولون إن هذه اللحظة، تعثرت بعد معركة أيلول 2024 بموجب اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني، كما تعثرت في الحرب الأخيرة جراء الدفاع الشرس الذي أبداه مقاتلو الحزب في الميدان، ومنعوا الجيش الإسرائيلي من السيطرة على مرتفع علي الطاهر والتمدد الى ما بعده.
وذهبوا أبعد، فاتهموا خصومهم بأنهم لا يمانعون التحالف مع إسرائيل إذا كان هذا الأمر سينهي الحزب، ولا يكترثون لمئات آلاف المشردين، وصولاً الى القول إن المعركة السياسية في الداخل "تأخذ شكل الحرب ضد الطائفة الشيعية".
الجمهور هنا، بالطبع، هو رجع الصّدَى لمواقف سياسية بالغة الخطورة، عبّر عنها النائبان عن الحزب، حسن فضل الله وايهاب حمادة. وصف الأول المفاوضات بأنها "بين نتنياهو ونفسه"، في اتهام للدولة اللبنانية بأنها إسرائيلية.. أما الثاني فقالها بصريح العبارة إن الاتفاق "اسرائيلي – اسرائيلي".
انفجرت تلك المشاعر في مواقع التواصل، كما في الشارع. لم يقُد الشارع الساخطين، بل ساهم الاستقطاب الرقمي في تحشيد الشارع، وهي واحدة من المفارقات في التجربة اللبنانية. يعبّر هذا الواقع عن انفصال حقيقي بين الشارع الشيعي من جهة، والدولة اللبنانية والخصوم السياسيين من جهة أخرى. لم يعد هناك ما يجمع الطرفين، تماماً كما كانت الحال في العام 1983 لحظة توقيع اتفاق 17 أيار، مما يرفع التقديرات بأن ما تم التوقيع عليه، له أبعاده الداخلية بما يتخطى ملف الاحتلال والانسحاب في الوقت الراهن.
ما يجري من جولات هو حرب سياسية بين مشروعين: الأول، مشروع استقرار يقوم على تفاهمات إقليمية مدعومة بتسوية عربية - إيرانية. والثاني، إسرائيلي مدعوم بجزء من الأميركيين، وتحديداً وزير الخارجية ماركو روبيو في مواجهة منافسه الانتخابي المحتمل للرئاسة الأميركية، نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الأكثر براغماتية في التعامل مع تعقيدات المنطقة، والأقرب الى النخب الاقتصادية التي تتقاطع مصالحها مع ضرورة الاستقرار في الشرق الأوسط. المشروعان يصطدمان في "ساحة" منصات التواصل الاجتماعي وفي شوارع لبنان، ويحقق كل منهما جولة في تسوية مؤجلة حتى نهاية العام في أقل تقدير.




