"تليغرام" مُمانِع و"واتسآب" مُعارض لحزب الله...لماذا؟

المدن - ميدياالأربعاء 2026/06/24
نازحون لبنانيون يتفقدون الأخبار عبر هواتفهم المحمولة (Getty)
نازحتان تتصفحان الأخبار عبر هاتف محمول (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

"نازحو الحزب يحتلون ثانوية رفيق الحريري الثانية". تنقل هذا العنوان الذي نشرته منصة "هنا لبنان"، بين قناة محلية في تطبيق "تيلغرام"، وعشر مجموعات على الأقل في تطبيق "واتسآب" خلال نيسان/أبريل الماضي، وتحول الى مادة استقطاب سياسي، يغذي المخاوف بين اللبنانيين، ويزيد انقساماتهم على خلفيات سياسية ومذهبية.

 

ومثله، في المقلب الآخر، انتشر خبر في قنوات "تيلغرام" ومجموعات "واتسآب"، يتحدث عن "طرد عائلة نازحة في الجدَيدة من منزل استأجرته، لأنها شاهدت المنار وNBN". ووجد الخبر طريقه للانتشار بشكل قياسي خلال ساعات، وأثار تفاعلات واسعة تغذي الاعتقادات المسبقة بأن النازحين غير مرحّب بهم في جبل لبنان، وبأن هناك "طائفة معزولة ومنبوذة"، كما جاء في بعض التعليقات.

 

ويمثل هذان العنوانان، عينة صغيرة من ضخ إعلامي عبر المنصات المغلقة، ويمرّ من ضمن عشرات الأخبار المُتناقَلة بين المجموعات، من دون تدقيق أو مصدر واضح، ويعمل على تحشيد الرأي العام المنقسم أصلاً حول عناوين الحرب الموسعة منذ 2 آذار/مارس الماضي، وتداعياتها، ويلقى رواجه من التناقل المكثف أولاً، والذي يخرج الى حسابات "فايسبوك" و"تويتر" وأحياناً يتحول الى مادة في وسائل الإعلام، لا سيما التفاعلات ضمن المجموعات نفسها التي ينتشر عبرها الخبر.

 

ويتوزع الجمهور اللبناني بين متابعة قنوات "تيلغرام"، ومجموعات "واتسآب" التي تلقى رواجاً أكبر. وبحسب رصد قنوات "تيلغرام"، يتبين أن معظم الناشرين في لبنان، من أنصار "محور الممانعة"، وقد لجأوا إليه بعد سلسلة تدابير اتخذتها شركة "ميتا" المالكة لـ"واتسآب"، لجهة حظر المحتوى السياسي أو ناشري المعلومات السياسية، وهي قيود غير متوافرة في "تيلغرام". 

 

أما "واتسآب"، فيحظى بانتشار أوسع في البيئة المعارضة لـ"حزب الله" وإيران، وغالباً ما يضم مجموعات محلية، تجمع مشاهدين بشكل أساسي من بيئتها. وللمفارقة، فإن مستخدمي التطبيقَين، يضطلعون بالوظيفة نفسها، وهي الاستقطاب السياسي في الأزمات، ويستخدمون كلاً من المنصتَين في اتجاه واحد، غالباً ما يكون مغلقاً، وتبرز أهمية المنصّتَين في أن التلقي يتم عبر الهاتف، وبالتالي له مفاعيل التواصل الشخصي، ما يساهم في زيادة نسبة الاقتناع. 

 

"تليغرام" أكثر من فضاء للتبادل

يعد تطبيق "تيلغرام"، أداة متنامية في الاتصال السياسي وتشكيل الرأي العام خلال الأزمات، حسبما ورد في دراسة أوروبية نشرتها مجلة علمية إسبانية العام 2026، تحت عنوان "الاتصال السياسي في تيلغرام: تأطير المشاعر والتراسل الاستراتيجي في أوروبا"، وعملت على تحليل رسائل الأحزاب السياسية في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا أثناء أزمة الطاقة الأوروبية الناتجة عن الحرب الروسية الأوكرانية العام 2022.

 

وقال الخبير المتخصص في الإعلام الرقمي والأستاذ المحاضر في الولايات المتحدة، أمين أبو يحيى، أنه "لا يمكن فهم المكانة التي باتت تشغلها منصة تيلغرام داخل البيئة الإعلامية الرقمية المعاصرة من خلال منظور وظيفي بسيط يختزلها في كونها أداة للتواصل؛ فما تكشفه الأبحاث الأكاديمية الحديثة أن تيلغرام تحول إلى ما يشبه البنية التحتية للمعلومات، بمعنى أنه لم يعد فضاء للتبادل فحسب، بل أصبح بيئة منظمة لتدفق المعلومات وتضخيمها وإعادة توزيعها عبر شبكات مترابطة من القنوات والمستخدمين والأدوات الآلية".

 

ويكتسب هذا التوصيف أهمية خاصة في سياق دراسة التضليل المعلوماتي وعمليات التأثير الرقمي. ويقول أبو يحيى أن "الثابت من خلال الدراسات الميدانية الموسعة أن تيلغرام بات يُوظَّف بوصفه غرفة عمليات حقيقية لإدارة حملات التضليل وتجييش الرأي العام؛ إذ تنشأ السرديات المضللة داخل شبكات مغلقة من القنوات، وتختبر وتعدل، قبل أن تنتقل مضخمةً إلى منصات أوسع انتشاراً". وتضطلع منظومة الروبوتات الآلية بدور محوري في هذه العملية، إذ توظف لمضاعفة انتشار الرسائل الموجهة وصناعة وهم الزخم الشعبي وتصوير الرأي المفتعل على أنه إجماع عفوي. ويعزز ذلك ببُنية "تيلغرام" التقنية القائمة على القنوات العامة توصل المحتوى مباشرةً إلى جميع المشتركين من دون أن تتدخل خوارزميات لتقرر ما يعرض وما يحجب، خلافاً لمنصات مثل فايسبوك وإنستغرام والى حد ما واتسآب التي "تتحكم في ما يراه المستخدم بناءً على سلوكه وتفاعلاته، مما يمنح أصحاب الأجندات قدرةً استثنائية على ضمان وصول رسائلهم كاملةً إلى كل مشترك"، بحسب أبو يحيى.

 

عشرات القنوات الممانِعة

منذ اندلاع الحرب الموسعة في لبنان، في 2 آذار/مارس 2026، نمت في "تيلغرام" عشرات القنوات المعنية بنشر أخبار الحرب وتداعياتها. تنشر تلك القنوات المؤيدة بمعظمها لـ"الممانعة"، بيانات "حزب الله" وتطورات الحرب وتصريحات المسؤولين الإيرانيين ومقاطع فيديو الإعلام الحربي. وغالباً ما تتضمن المنشورات، تصريحات وتقديرات موقف لشخصيات غير معروفة، وليس لها أي مسمى عملي، لكنها تتضمن تحليلات تهاجم الدولة اللبنانية، وتصف رجالاتها بأوصاف سيئة لا تخلو من شتائم، وتفكك معطيات ميدانية وتصريحات لـ"المقاومة"، وتقدمها في إطار انحيازي.

 

في المقلب الآخر، نمَت مجموعات أخرى عبر "واتسآب"، معارضة لـ"حزب الله"، تنشر مواقف الدولة اللبنانية والقوى السياسية المناهضة للحرب، وتعطي أوصافاً للشخصيات السياسية المعارضة لـ"حزب الله"، مثل "رجل المرحلة"، و"بطل السلم"، وتهاجم الشخصيات المحسوبة على "الممانعة"، وتطلق عليها أوصافاً مثل "بوق"، و"تافه" و"منفخ".. كما تقدم روايتها للتطورات الميدانية إنطلاقاً من تحيزات سياسية، وتصل تلك المنشورات الى تبني الرواية الإسرائيلية أو التقليل من أهمية مجريات الميدان.

 

هذا المحتوى، في الضفتين، يقدم على أساس أنه معلومات دامغة لا تحتمل التأويل. قوة هذا النشر، ينطلق من أنه غير قابل للمناقشة والمحاججة، كونه يُبث في مجموعات مغلقة، وأقصى ما يمكن التعامل معه، يتمثل في التفاعل عبر أيقونات يوفرها التطبيقان للمجموعات المغلقة، وتظهر الغضب أو التأييد أو الحزن أو التضامن. بذلك، تصبح وظيفة النشر استقطابية، بما يتخطى كونها "إعلاماً بديلاً"، وبالنظر الى أنه لا أحد يستطيع المحاججة، فإن المحتوى يقدم وجهة نظر واحدة، ويلتقي غالباً مع توجهات جمهور يستهويه المحتوى المنشور، وربما يعبر عنه، على ضوء ضيق الحيز الجغرافي للانتشار.

 

مصدر للصحافيين أيضاً

وبات "تيلغرام" منذ العام 2024، مصدراً لمعلومات الصحافيين أيضاً، خصوصاً أن "حزب الله" افتتح قنوات فيه لبث بيانات وفيديوهات. وقالت مراسلة قناة "أل بي سي أيه" بترا أبو حيدر، أنها تستخدم التطبيق كمصدر للمعلومات والأخبار، الى جانب المصادر الأخرى، خصوصاً لمعرفة موقف "حزب الله"، وهو أحد الأطراف الرئيسية في الحرب، وللتأكد من صحة بياناته. لكنها أشارت إلى أن المعلومات التي تطالعها عبر التطبيق، "تخضع لمراجعة وتدقيق، منعاً لأن تكون هناك أي معلومات مضللة"، مؤكدة أنها تقاطع معلوماتها على الدوام مع مصادر أخرى.

 

لامركزية إنتاج السرديات

من هنا، تزداد مهمة مكافحة المحتوى الاستقطابي، تعقيداً، بفعل ما يمكن تسميته "لامركزية إنتاج السرديات"؛ بحسب أبو يحيى، إذ "لم تعد المحتويات المؤثرة نتاج جهة مركزية واحدة يسهل تعقبها، بل هي محصلة تراكمية لمجتمعات رقمية متفرقة تتشارك في إعادة إنتاج المحتوى وتعديله وتداوله، وهو ما يصعب الإسناد ويعقد مهمة كشف الجهات المحركة لحملات التأثير".

 

في ضوء هذا الواقع، يرى أبو يحيى أن المسؤولية تتوزع على ثلاثة مستويات متكاملة: "على مستوى المنصة ذاتها، لا يمكن الاكتفاء بالتذرع بالحياد التقني؛ فتيلغرام مُطالب بتفعيل سياسات إشراف فعلية على المحتوى وعلى القنوات بمختلف أحجامها، وتقييد منظومات الروبوتات المستخدمة في التضخيم الاصطناعي، وتعزيز التعاون مع الجهات البحثية المتخصصة في رصد عمليات التأثير".

 

أما على المستوى التقني، "يغدو تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي القادرة على رصد السلوك المنسق غير الأصيل وتحليل شبكات التضخيم وكشف الارتباطات بين القنوات، أمراً لا غنى عنه، إلى جانب إتاحة البيانات أمام المؤسسات البحثية لتمكينها من دراسة هذه الظاهرة بعمق أكبر". أما على المستوى التوجيهي والتربوي، فإن "تنمية الثقافة الإعلامية والرقمية لدى الجمهور تبقى الرهان الأهم والأكثر ديمومةً؛ لأن المتلقي الواعي القادر على التمييز والتحقق وقراءة السياق، لا يمكن اختراقه بسهولة، وهو في نهاية المطاف خط الدفاع الأول والأمتن في مواجهة عمليات التلاعب بالرأي العام في الفضاء الرقمي".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث