...وتلاحقني لعنة دافنشي

سارة الدنفالاثنين 2026/06/22
Image-1782154900.Jpg
"البشارة" لليوناردو دافنشي... وقد بشرني لوسبيناتو بلعنة التعدد
حجم الخط
مشاركة عبر

ربما كان عليّ أن أصدق تلك النظرة القلقة في عينيّ أمي، وهي تراقبني أقفز من ضفة إلى أخرى بكامل حماستي، ثم أهجر الأماكن دونما اكتراث للذكرى. كانت تقول لي دوماً إن مدة انبهاري بالأمور مرتبطة بوقت زمنيّ محدود؛ "كل عامين تُفتَنين بشيء جديد". بالفعل، كنت أُفتن بالرسم تارةً، ثمّ الفلسفة، أو العلوم، قبل أن أترك للانهيار خديعة "الانبهار" التالي. 

 

ليوناردو لوسبيناتو حاول تفسير ما أشعر به بـ"لعنة دافنشي". لا ضير في إطار كهذا، ملائم تمامًا لنرجسيّة التشبّه بعبقريّ عصر النهضة الأشهر. بل ربّما تكون الإجابة الأمثل لمَن لا يملّون سؤالنا: "ما الذي تحبّين فعله في الحياة؟". فالإجابة غالبًا، أننا لا نحب الحياة أساسًا، بل نحاول الخروج منها بأقلّ الخسائر من خلال فهم أكبر عدد من وجوهها المتبدّلة. الحقيقة أننا ملعونو هذا العصر بامتياز، ليس لأننا نملك الكثير، بل لأن العالم هُندِس لتقطنه الفئران في صناديق ضيّقة . صمّم لـ"المتخصصين" الذين يشبهون قطعة الغيار الناجحة، بينما نصرّ نحن على أن نكون الماكينة والوقود والصدأ الذي يأكلها في آن.

 

العِلم يخبرنا أننا "متعددو المواهب"، لكنه لا يخبرنا كيف ننام في ليلة تتصارع فيها رغبة كتابة نص مع شغف فهم المسائل الرياضيّة. لا يفكّك لنا أزمة اغترابنا عندما تقرع ساعات التأخير: فلا وقت لأيّ شيء على ما يبدو، مهما كان العبق الأرجنتينيّ جذّابا، وأكواب المتّة ساخنة والموسيقى مُحَلّقة.

 

متى نُدمن التغيير واللايقين، إلى الحد الذي نَتَعَمَّدُ فيه الاقتران بسفوح الجبال المنزلقة؟ متى نبحث طوعًا عن الضباب، والمسارات التائهة؟ هل نَشعُرُ في خِضَمِّ الرؤى اننا بلغنا سُحُبًا لن يراها سوانا، معتقدين أننا بلغنا ما أَرَدناه من قمم؟ يسمّونه "عدم التزام"، بينما لا أستطيع إلّا أن أرى فيه الحقيقة المطلقة لدورة العمر. 

 

لا تغيب عنّي الطرق واضحة الملامح، والناجحة، وكلّ ما تتكىء عليه من دموع وأحلام موؤودة قربانًا للاستقرار. أراها، معلّقة في ساحات من مقصلات تتدلّى منها رؤوس الحالمين المطأطأة للرغبات العليا. رغبات لا تكترث إلّا للتدمير، والبقاء على مقاعدها. 

 

"تخمة" الاحتمالات تتحول غالبًا إلى سجن مترف بوهم الحريّة. لن أنكر هذا بتاتًا. فمن يملك مئة طريق، غالباً ما ينتهي به الأمر واقفاً في المنتصف، يراقب "المتخصصين" وهم يصلون إلى غاياتهم بخطى وئيدة ومملة. لكنّها على الأقل سجون واسعة، تحتمل التحرّك في الاتجاهات كافة، على عكس الصناديق التي تثبت لنا أن المقابر تبلغنا في الحياة، قبل الموت بكثير. رأيت هذا بأمّ العين. رأيت من فعل كلّ شيء في سبيل البقاء عند نقطة النجاح "المعلّب" العليا، ولن أخبركم حجم الموت الذي وجده هناك.

 

التخصص هو ما يجعل المثقف موظفاً عند السلطة أو في السوق، يفعل ما يُطلب منه ضمن حدود مرسومة سلفاً. حسمها إدوارد سعيد، ولا يسعني إلّا موافقته. الهواية هي فعل حرية. هي قدرة على تجاوز الحدود والربط بين ما لا يُربط. هو الرفض القاطع للادعاء الذي يتلبّس شفاه "الخبراء" المحنطين في غرف تحليلاتهم التي تصيب مرّة وتخيب آلاف المرّات. نحن، على عكسهم، نفضل أن نبقى هواة أبديين، نقتحم الحقول المعرفية بوقاحة الشغف لا بإنجازات التخصص. لأننا ببساطة نعي واقعيّة الرمال المتحرّكة حيث نحيا: "فالاستسلام للتخصص، هو كسل، ولذا ينتهي بك الأمر الى تنفيذ ما يطلبه منك الآخرون، لأن هذا ما يمليه عليك".

 

تزداد اللعنة قسوة بلا ريب، حين نصطدم بجدار الطبقة. ربما هنا يكمن العري الوحيد المحيط بما يسمى تعدد المواهب. فهل يملك الفقير ترف أن يكون "دافنشياً" ويغير اهتماماته كل عامين؟ الفقر يفرض عليك أن تكون "شيئاً واحداً" وبسرعة، أن تتقن حرفة تضمن لك ثمن الخبز: لا وقت لديك لتُفتن، لا شرعية لديك لتقرّ أصلًا باهتماماتك الأخرى. فديونك تتولى الحديث عنك، وفواتيرك تذكّرك بأنّ قيمتك هي مهزلة الدوائر الرسميّة الأزلية.

 

لقد رأيت مواهب فذة دُفنت تحت ركام الوظائف الرتيبة لأن أصحابها لم يملكوا "شبكة أمان" مادية تسمح لهم بالتنقل بين الرسم والسياسة والكتابة. الطبقة الميسورة وحدها، تملك حق العبث الجميل، وحق أن تقضي سنوات في "اكتشاف الذات". أما نحن، فأبناء القلق الطبقي الذين أُجبروا على بتر أجنحتهم ليناسبوا حجم القفص الوظيفي. هذا التخصص القسري قد ينتج "ناجحين" مادياً، لكنه يخلق أرواحاً مشوهة تعيش بأنصاف عقول وتنظر بحسرة لكل تلك "الذوات" التي كان يمكن أن تكونها لو كان لديها رصيد بنكي يسمح لها بالجنون والتبدّل.

 

إن ما يسميه لوسبيناتو لعنة، هو في جوهره صرخة ضد الرأسمالية التي حولت الإنسان إلى وظيفة، فنحن نرفض التخصص لأننا نرفض أن نُختزل في سطر واحد على بطاقة عمل. والمعاناة التي نقاسيها، هي ضريبة الانتماء إلى الكلّ. نحن الذين نتعلم لنفهم، لنكتشف، لنستوعب المأزق الذي أُقحمنا فيه بسبب ثوان من لذة، على حدّ تعبير سيوران، أين نجد مكاننا في هذا العصر؟

 

لعنة هي بكلّ تأكيد، ودورة عامَين، بحسب حدس أمّي المرعب. وبين لعنة تدور، ودورة ملعونة، يبقى التبدّل خلاصنا الوحيد. أن نظل "غير منتمين" كما قال إدوارد سعيد، وأن نحمل في رؤوسنا فوضى خلاقة هي محاولتنا اليائسة لرفض عالم لا يكترث للحقيقة، بل يركع لمن يموّلها. "دافنشيين"، لا نُبالي، فالحياة هي لمن يجرؤ على رفض اليقين.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث