المونديال بعد الأسد: الشاشة العملاقة تستعيد الاجتماع المدني

مصطفى الدباسالاثنين 2026/06/22
سوريون يتابعون مباريات كأس العالم على شاشة عملاقة في دمشق (Getty)
كأس العالم على شاشة عملاقة في دمشق (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تحول كأس العالم 2026 في سوريا إلى حدث يتجاوز كرة القدم، في أول نسخة يتابعها السوريون بعد سقوط نظام الأسد، حيث أعاد المونديال فتح سؤال الحياة العامة من بوابة بسيطة ومباشرة: كيف يشاهد الناس البطولة، ومن يستطيع دفع كلفتها؟

وجاءت البطولة هذا العام بنسخة موسعة تضم 48 منتخباً و104 مباريات، ما جعلها أطول وأكثر حضوراً في الحياة اليومية للمشاهدين، ورفع في الوقت نفسه كلفة المتابعة.

 

"سيريا سات" كحل رسمي

ولعل أبرز ما تغير هذا العام كان دخول "سيريا سات" إلى مشهد البث بوصفه مشروعاً رسمياً لنقل مباريات كأس العالم داخل سوريا بالتعاون مع شبكة " بي إن سبورتس" القطرية، بعدما أعلنت "الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون" عن اتفاق يهدف إلى توفير البث بطريقة منظمة، عبر جهاز استقبال مخصص وباقة قنوات رياضية وترفيهية.

 

وقدمت الخطوة كوسيلة لتأمين متابعة المونديال بحقوقه الحصرية وبأسعار تراعي الواقع السوري، بعد سنوات اعتمد فيها الجمهور على حلول غير مستقرة، من اشتراكات "IPTV" إلى السيرفرات المقرصنة والتطبيقات غير المضمونة.

 

غير أن الحل الرسمي لم ينه سؤال الكلفة، حيث انتشرت في مواقع التواصل ومنشورات مراكز البيع أرقام متباينة حول سعر الجهاز والتجديد والاشتراك الشهري. وتحدثت بعض المنشورات عن سعر يقارب 28.5 دولاراً كدفعة أولى، وتجديد يقارب 13 دولاراً، واشتراك شهري في حدود 6.5 دولارات. ويكشف تداول هذه الأرقام طبيعة النقاش الشعبي حول البطولة، حيث لم تعد المسألة مرتبطة بحق المشاهدة فقط، وإنما بكلفة الوصول إلى هذا الحق.

 

وبالمقارنة مع متوسط دخل يتراوح بين 80 و100 دولار، فإن اشتراكاً مؤقتاً بقيمة 13 دولاراً يوازي تقريباً 13% إلى 16% من راتب شهري، بينما يقترب سعر جهاز بقيمة 28.5 دولاراً من ثلث الراتب. وإذا جمع المشاهد بين الجهاز والتجديد، فربما تصل الكلفة إلى ما يقارب 40% من دخل شهر كامل لدى موظف حكومي، وهي نسبة تجعل الأسعار مرتفعة داخل السياق السوري، حتى لو بدت منخفضة مقارنة بالاشتراكات العالمية.

 

المقاهي كحل جماعي

في ظل الكلفة، عاد المقهى إلى موقعه التقليدي كحل جماعي لمشاهدة كرة القدم، خصوصاً في المباريات الكبيرة ومباريات المنتخبات العربية. فبدلاً من أن يتحمل الفرد كلفة جهاز أو اشتراك أو باقة إنترنت، يدفع ثمن مشروب أو يجلس ضمن مجموعة أصدقاء، بينما يتولى صاحب المقهى تأمين البث. وهذا ما يجعل المقهى خياراً اقتصادياً واجتماعياً في الوقت نفسه، لأنه يوزع الكلفة على عدد كبير من الزبائن، ويمنح المباراة بعداً جماعياً لا توفره المشاهدة الفردية عبر الهاتف أو شاشة صغيرة في المنزل.

 

وتحدثت تقارير صحافية عن امتلاء مقاه في محافظات سورية مختلفة بالمشجعين، بالتوازي مع التجمع المركزي في دمشق. ويحمل هذا المشهد دلالة تتجاوز كرة القدم، فالمقهى أصبح مساحة لاستعادة شكل من أشكال الحياة اليومية بعد سنوات من الحرب والخوف والتعب، حيث يجتمع الناس حول مباراة لأنهم لا يريدون تحمل الكلفة وحدهم، ولأنهم يحتاجون أيضاً إلى مشاركة الفرح مع آخرين.

 

أرض المعارض القديمة وشاشة دمشق

إلى جانب المقاهي، شكلت الشاشة العملاقة في أرض المعارض القديمة بدمشق إحدى العلامات الأبرز لهذا المونديال، حيث انطلقت هناك فعالية حملت اسم "مهرجان كأس العالم 2026"، ونظمت بالتعاون مع "المؤسسة السورية للمعارض والأسواق الدولية"، مع نقل مباشر للمباريات وحضور جماهيري لافت.

 

وتكمن أهمية المشهد في أنه أعاد كرة القدم إلى الفضاء العام في دمشق بصيغة مختلفة. فالشاشة العملاقة تبدو هنا رمزاً لاستعادة التجمع المدني حول حدث عالمي، في مدينة ظلت ساحاتها العامة لسنوات طويلة محكومة بالحشد السياسي الرسمي أو بالخوف الأمني أو بالأزمات اليومية. ورغم ذلك، تبقى التجربة مرتبطة بالعاصمة أكثر من غيرها، ما يفتح سؤالاً حول قدرة مدن أخرى على الحصول على مساحات مشابهة للمشاهدة الجماعية.

 

الهاتف والإنترنت كبديل هش

لم يكن التلفزيون الطريق الوحيد للمشاهدة، بل اتجه عدد من السوريين إلى الهواتف المحمولة والتطبيقات وباقات الإنترنت، خصوصاً مع انتشار عروض مرتبطة بكأس العالم. ومن بين ذلك منشورات تحدثت عن باقة من شركة "سيريتل" بحجم 45 غيغابايت وبقيمة 500 ليرة سورية، صالحة حتى نهاية الدور الأول، ما يعني أن شركات الاتصالات حاولت تحويل المونديال إلى مناسبة تسويقية عبر تقديم حلول مؤقتة للمشاهدة أو المتابعة من الهاتف.

 

غير أن المشاهدة عبر الهاتف تبقى حلاً هشاً في بلد يعاني من تفاوت جودة الإنترنت وضعف الشبكات في بعض المناطق. كما أن مشاهدة مباراة كاملة بجودة مقبولة قد تستهلك حجماً كبيراً من البيانات، ما يجعل الهاتف مناسباً كحل جزئي أو اضطراري، لا كبديل ثابت عن شاشة التلفزيون أو المقهى. ويضاف إلى ذلك انتشار تطبيقات وروابط غير رسمية تعد ببث المباريات مجاناً أو بأسعار رمزية، وهي سوق موازية تحمل مخاطر الانقطاع والاحتيال وضعف الجودة.

 

اصطفافات عربية أقل حدة

إلى جانب سؤال الكلفة، برز سؤال آخر في مواقع التواصل: من يشجع السوريون هذا العام؟ ففي مونديال يشهد حضوراً عربياً واسعاً، مع مشاركة منتخبات مثل المغرب وتونس والجزائر ومصر والسعودية وقطر والأردن والعراق، ظهر ميل واضح لدى كثير من السوريين إلى تشجيع المنتخبات العربية عموماً، مع حضور خاص للمغرب بوصفه منتخباً عربياً أثبت قدرته على الذهاب بعيداً منذ نسخة 2022، وحضور عاطفي للأردن بسبب القرب الجغرافي ومشاركته الأولى.

 

والجديد في هذا النقاش أن التشجيع العلني بدا أقل ارتباطاً بالاصطفافات السياسية التي حكمت سنوات الحرب، وأكثر قرباً من فكرة التشجيع العربي العام. فلم تعد أسماء المنتخبات تقرأ فقط عبر علاقة دولها السابقة بالنظام أو بالمعارضة، وإنما عبر لحظة أوسع يريد فيها السوريون أن يروا فريقاً عربياً ينتصر. وهذا لا يعني اختفاء السياسة من الذاكرة السورية، لكنه يشير إلى أن المونديال أتاح مساحة مؤقتة خف فيها ثقل التصنيفات القديمة.

 

وظهر ذلك في المقاطع المتداولة من مناطق المشجعين، حيث احتفل سوريون بهدف المغرب في شباك البرازيل، وتحدث آخرون عن تشجيع الأردن بوصفه ممثلاً لبلاد الشام، بينما اختار بعضهم عبارة أوسع: "نشجع العرب". وتقول هذه الجمل الكثير عن سوريا بعد سقوط الأسد، حيث لم تعد كرة القدم مجرد مباراة، وإنما مساحة رمزية لإعادة ترتيب العلاقة مع المحيط العربي، بعيداً عن اللغة الثقيلة التي رافقت الحرب وانقساماتها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث