أصدرت منظمة "مراسلون بلا حدود" خريطة تظهر مسارات نفي الصحافيين الذين دعمتهم المنظمة منذ العام 2021 في ظل بيئة دولية تتسم بتوترات سياسية وأمنية متزايدة.
وتضاعف عدد الدول التي اضطر صحافيون إلى الفرار منها خلال خمس سنوات. وفي ما يخص الصحافيين المعنيين، الذين يزيد عددهم على 1400 شخص من 65 دولة على الأقل، تصطدم رغبتهم في مواصلة العمل الصحافي بالمخاطر المرتبطة بأداء مهنتهم وبقيود سياسات الاستقبال في الدول المضيفة.
ورأى رئيس مؤشر حرية الصحافة العالمي في المنظمة فياني لوريكيه، أن مسارات المنفى التي خاضها الصحافيون الذين دعمتهم "مراسلون بلا حدود" ترسم عاماً بعد عام صورة عالمية للقمع. وأضاف أنه خلال السنوات الخمس الماضية دعمت المنظمة 1468 صحافياً من أكثر من 60 دولة بعدمت اضطروا إلى الفرار من التهديدات أو السجن أو الموت، مشيراً إلى أن هذا الرقم لا يمثل سوى جزء من ظاهرة أوسع بكثير.
وأوضح لوريكيه أن معاناة الصحافيين لا تنتهي بمجرد مغادرتهم بلدانهم، بل يواجه كثير منهم الابتزاز والترحيل والتعسف الإداري بشكل يومي. ودعا الدول إلى توفير حماية فعالة للصحافيين المنفيين من خلال ضمانات ضد الإعادة القسرية، وتأشيرات طوارئ، وإقامات دائمة، وبرامج لإعادة التوطين، ودعم يمكنهم من استئناف عملهم.
وبين العامين 2021 و2025، اضطر 677 صحافياً أفغانياً و160 صحافياً روسياً و101 صحافي من ميانمار، إضافة إلى مئات الصحافيين من نحو 60 دولة أخرى، إلى مغادرة بلدانهم. وأظهرت بيانات مكتب المساعدة الدولي التابع للمنظمة أن 65 دولة شهدت حالة واحدة على الأقل لصحافي أجبر على المنفى، فيما شهدت 20 دولة مغادرة عشرة صحافيين أو أكثر.
ولا تعد الظاهرة مقتصرة على منطقة بعينها، بل تضاعف عدد الدول المتأثرة بها من 19 دولة العام 2021 إلى 40 دولة عام 2025. وخلال الفترة نفسها، بقي عدد الصحافيين المنفيين الذين تلقوا دعماً من المنظمة مرتفعاً، حيث بلغ 235 صحافياً عام 2021 و243 صحافياً العام 2025.
ورأت المنظمة أن تفاقم الأزمات الأمنية والسياسية في مناطق عدة من العالم يفسر اتساع رقعة الدول التي يضطر الصحافيون إلى الفرار منها، من الحروب إلى عصابات المخدرات وغيرها. وأصبحت أفغانستان المركز العالمي الأبرز لمنفى الصحافيين منذ سقوط كابول في 15 آب/أغسطس 2021 في يد جهاديي "طالبان".
وخلال خمس سنوات، فر 677 صحافياً أفغانياً بدعم من المنظمة، أي ما يقرب من نصف الحالات المسجلة في برنامج المساعدة التابع لها. ويتوزع هؤلاء اليوم على 28 دولة، في واحدة من أكبر موجات نزوح الصحافيين المستقلين في التاريخ الحديث. وبلغت موجة الرحيل ذروتها العام 2022 عندما أجبر 183 صحافياً على مغادرة البلاد، فيما اضطر 82 صحافياً إضافياً إلى الفرار خلال العام 2025.
وشكل الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا نقطة تحول كبيرة. فالعام 2022، تلقى 78 صحافياً روسياً منفياً دعماً من المنظمة مقارنة بأربعة فقط في العام السابق. ومنذ العام 2021، أجبر 160 صحافياً روسياً تلقوا دعماً من المنظمة على مغادرة البلاد، بينما كان العدد الإجمالي للصحافيين والإعلاميين الذين فروا من روسيا أكبر بعشرة أضعاف بحلول العام 2023.
ومع تراجع الصحافة المستقلة داخل روسيا، أصبحت المؤسسات الإعلامية العاملة في المنفى من آخر مصادر المعلومات الحرة للجمهور. وأشارت تقديرات إلى أن 63 مؤسسة إعلامية روسية مستقلة تعمل من الخارج مازالت نشطة رغم الضغوط المالية والسياسية، ويصل جمهورها إلى ما بين %6 و9% من البالغين الروس، أي عدة ملايين من الأشخاص. ولإسكاتها، وسعت موسكو نطاق القمع إلى ما وراء حدودها، حيث اعتقل أو حكم غيابياً على 66 إعلامياً بين شباط/فبراير 2022 وأيلول/سبتمبر 2025 بسبب عملهم الصحافي.
وأظهرت بعض الدول مفارقة لافتة لأنها تستقبل صحافيين فارين من مناطق النزاع بينما يضطر صحافيون محليون إلى المنفى بسبب القيود الداخلية. ففي مصر، لجأ منذ العام 2021 ما لا يقل عن 31 صحافياً دعمتهم المنظمة، معظمهم من السودان وفلسطين، فيما يعتقد أن أكثر من 300 صحافي فروا من الحرب في السودان إلى مصر. لكن المؤسسات الإعلامية المحلية تواجه مخاطر الرقابة. وتبقى البلاد، في ظل حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، من أكبر السجون للصحافيين في العالم.
أما تركيا، التي تعد مركزاً إقليمياً للاجئين، فاستقبلت منذ العام 2021 ما لا يقل عن 46 صحافياً من أفغانستان وفلسطين وسوريا، لكن العمل الصحافي المستقل فيها يواجه تحديات كبيرة، واضطر ما لا يقل عن عشرة صحافيين إلى مغادرة البلاد بين العامين 2021 و2025.




