تانيا قسيس "للمدن": الانقسام السياسي يؤثر في الأغنية الوطنية

هيام بنوتالخميس 2026/06/18
تانيا قسيس (إكس)
تدافع تانيا قسيس عن غنى الثقافة الفنية في المنطقة العربية وتنوعها (إكس)
حجم الخط
مشاركة عبر

تعد الفنانة تانيا قسيس من الأصوات التي اختارت أن تشق طريقها الفني وفق رؤية خاصة، قائمة على المزج بين الانفتاح على التجارب العالمية والتمسك بهوية موسيقية تعبر عنها بصدق. ورغم نجاحها العالمي وتكريمها في أهم المحافل الدولية، يبقى الاعتراف المحلي المعيار الأكثر قرباً إليها مهما اتسعت آفاقه الخارجية، حيث تم ترشيحها رسميا لجوائز "موركس دور" العام 2026 ضمن ثلاث فئات مختلفة تشمل نجمة الغناء اللبنانية، أفضل أغنية لبنانية عن "ليلة ورا ليلة" وأفضل فيديو كليب مصور عن الأغنية نفسها. 

وفي حديث مع "المدن" أكدت قسيس أن التكريم الآتي من لبنان يحمل قيمة استثنائية، لأنه يصدر عن جمهور تابع مسيرتها منذ بداياتها وشهد تطورها الفني. ورأت أن النجاح الحقيقي يبدأ من الوطن، حيث لا يمكن للفنان أن يرسخ حضوره خارج بلده ما لم يحظ أولاً بقبول وتقدير في بيئته الأصلية. ومن هذا المنطلق، جاء ترشيحها وتفاعل الجمهور معه ليشكلا بالنسبة إليها مصدر سعادة لا يقل أهمية عن الجائزة نفسها، خصوصاً في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها اللبنانيون.

وفي حديثها عن خياراتها الفنية، تبدو مسألة الصدق مع الذات أولوية لا تقبل المساومة. فرغم إدراكها لطبيعة السوق الموسيقية وما يفرضه أحياناً من توجهات أكثر تجارية، أكدت أنها لم تقدم عملاً لا يشبهها أو لا يعكس ذوقها الشخصي. وصحيح أنها حاولت في بعض المحطات الاقتراب أكثر من الجمهور عبر أعمال خفيفة ومحببة، إلا أن هذا التقارب لم يكن على حساب قناعاتها الفنية، بل بقي منسجماً مع ما تحب سماعه وتقديمه، ولذلك فضلت رفض أعمال رأت أنها لا تعبر عنها، مهما كانت فرص نجاحها وانتشارها.

ويكشف مسار قسيس الفني عن اختلاف واضح بين طبيعة التلقي في لبنان والخارج. فالموسيقى التي تقدمها وجدت جمهوراً واسعاً في أوروبا وأميركا اللاتينية والولايات المتحدة بوتيرة أسرع مما حصل في لبنان، وهو ما تعيده إلى طبيعة الاستماع السائدة في تلك البلدان، حيث يبدي الجمهور فضولاً أكبر لاكتشاف أنماط موسيقية جديدة والبحث عن الفنانين خارج الأطر الإعلامية التقليدية. 

أما في لبنان، فاعتبرت قسيس أن الجمهور اعتاد إلى حد كبير متابعة ما يبث عبر الإذاعات والقنوات التلفزيونية، ما يجعل انتشار بعض الأنماط الموسيقية البديلة أكثر بطئاً. ومرأت في هذا الواقع دافعاً للاستمرار، خصوصاً عندما تتلمس وجود فئة من المستمعين تسعى بنفسها إلى اكتشاف الموسيقى المختلفة.

وفي مقابل الآراء التي تنتقد الذائقة الموسيقية العربية، دافعت قسيس عن غنى الثقافة الفنية في المنطقة وتنوعها، رافضة اعتبار انتشار الأغنية التجارية مؤشراً على تراجع ثقافي، مؤكدة أن العالم العربي يمتلك إرثاً موسيقياً عريقاً يقوم على الطرب والأصالة والتقاليد الفنية الراسخة. وبرأيها، فإن وجود أنماط موسيقية شعبية أو ترفيهية لا يلغي قيمة ذلك الإرث، بل يندرج ضمن التعدد الطبيعي الموجود في مختلف المجتمعات. 

ورأت قسيس أن ميل الجمهور إلى الأغاني الإيقاعية والراقصة يعكس جانباً من الثقافة الاجتماعية والرغبة الدائمة في صناعة الفرح رغم التحديات. ومن هنا تنبع قناعتها بأن بناء الذائقة الموسيقية يبدأ من المراحل التعليمية الأولى، معتبرة أن التربية الموسيقية في المدارس تؤدي دوراً أساسياً في توسيع أفق الأطفال وتعريفهم إلى أنماط فنية متنوعة منذ الصغر. وأشارت إلى أن بعض المدارس بدأت أخيراً إدخال أعمال عربية ولبنانية إلى مناهجها الموسيقية، ما يشكل خطوة إيجابية نحو تعزيز العلاقة بين الأجيال الجديدة وتراثها الفني. وبحسب رؤيتها، فإن الطفل الذي يتعرف باكراً إلى الموسيقى بمختلف أشكالها يطور تلقائياً قدرة أكبر على التذوق والاستماع الواعي.

ويتكامل هذا التوجه مع تجربة قسيس في تأسيس المعاهد الموسيقية ورعاية المواهب الناشئة. فالإقبال الذي تشهده المعاهد أتاح لها اكتشاف عدد من الطاقات الواعدة التي تحتاج إلى توجيه ومواكبة مستمرين. وهي لا تنظر إلى التعليم الموسيقي بوصفه تدريباً تقنياً فحسب، بل تعتبره عملية شاملة تشمل بناء الشخصية الفنية، وتطوير المهارات، وتأمين بيئة سليمة تساعد المواهب على النمو بعيداً عن الضغوط والاستعجال.

وهنا، بادرت قسيس إلى تبني طفل لا يتجاوز عمره 10 سنوات يملك موهبتي الغناء والعزف على آلة الدرامز، مشيرة إلى أن شركات الإنتاج لا تتبنى عادة الأطفال بسبب التغيير الذي يطرأ على الصوت عند بلوغ مرحلة الشباب ومن الممكن أن يتعرضوا للأذى إذا لم يكن إلى جانبهم فريق محترف يديرهم ويوجههم كما أن البعض منهم لا يلبث أن يبتعد عن الغناء في مرحلة لاحقة. ولذلك تعمل قسيس من خلال معهدها على تبني الأطفال أصحاب الموهبة الفذة مادياً وتدريباً وتعليماً وتوجيهاً إلى جانب إدارة مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بهم لأن الأهل لا يحسنون القيام بهذه المهمة الصعبة ولا يعرفون ما هو الجيد وغير الجيد موسيقياً بالنسبة لأولادهم.

وتحتل مسألة الشهرة المبكرة حيزاً مهماً في رؤية قسيس للتكوين الفني، ورأت أن النجاح المفاجئ، لدى الأطفال في برامج الهواة الفنية، ربما يتحول إلى عبء نفسي عندما يخسرون أو يغادرونها لأنهم يعيشون أحلاماً مزيفة خصوصاً أن برامج المواهب تمنح المشاركين فرصة الظهور السريع، لكنها لا تضمن دائماً الاستمرارية أو النضج الفني المطلوب. 

وشددت قسيس على أهمية منح الفنان الوقت الكافي لاكتشاف نفسه وتطوير أدواته، لأن المسيرة الطويلة لا تبنى على اللحظات الآنية وحدها، من دون أن تقلل من عواقب الشهرة السريعة على الفنانين الشباب الذي تخرجوا من برامج الهواة لأنهم ملزمون على التوقيع عقود تجبرهم على التحرك من خلال القيمين على تلك البرامج حيث يكون هناك تفاوت في القناعة فيما يخص المواهب كما أنهم لا يعملون على تطويرها بل يعملون وفق الموجود لا أكثر.

أما عن تجربتها الشخصية مع الشهرة، فتعاملت قسيس معها بمنطق يقوم على التوازن والوعي. ونسبت ما حققته إلى محبة الجمهور وثقته قبل أي شيء آخر، مضيفة أنها تدرك أن النجاح الفني لا يستند إلى الموهبة وحدها، بل يحتاج إلى أسس ثابتة تحمي الفنان من التقلبات. ومن هذا المنطلق، حرصت منذ بداياتها على امتلاك مسار أكاديمي ومهني مواز، فاختارت دراسة إدارة الأعمال والتسويق إلى جانب الموسيقى، لتضمن لنفسها رؤية أوسع واستقراراً أكبر.

وعند التوقف عند مسألة التجديد، تبدو قسيس مؤمنة بأن التطور ضرورة لا يمكن تجاهلها. فالعالم يتغير باستمرار، والفنان مطالب بمواكبة هذا التغيير إذا أراد الحفاظ على حضوره. وشددت على أن التجديد لا يعني التخلي عن الهوية أو الذوبان في الاتجاهات السائدة، بل يفترض أن يكون امتداداً طبيعياً لتطور الفنان الشخصي والفني. ورأت أن التقنيات الحديثة، بما فيها أدوات الذكاء الاصطناعي، أصبحت جزءاً من المشهد المعاصر، بشرط أن تبقى الشخصية الفنية هي العنصر الحاسم في صناعة الاختلاف.

وفي ظل الأوضاع الراهنة، يبدو أن الحاجة إلى التوقف المؤقت باتت جزءاً من عملية الإبداع نفسها، كما اعترفت بأن المناخ النفسي العام لا يساعدها حالياً على تقديم أعمال جديدة بالزخم المعتاد، ما دفعها إلى منح نفسها فترة من الراحة وإعادة الشحن، بانتظار أن تستعيد القدرة على التعبير والإلهام بالشكل الذي تريده.

وقادتها هذه النظرة أيضاً إلى مقاربة موضوع الأغنية الوطنية من زاوية أكثر تعقيداً. فبرأيها، لا يمكن التعامل مع هذا النوع من الأعمال بمعزل عن حساسية المرحلة والانقسامات الموجودة في المجتمع. وبينما اختارت هي التعبير عن مشاعرها ومواقفها بطرق مختلفة خلال الفترة الماضية، رأت أن لكل فنان أسلوبه الخاص في التفاعل مع الأحداث، وأن الظروف الراهنة تجعل بعض الفنانين أكثر حذراً في مقاربة المواضيع الوطنية، في ظل تباين المواقف والقراءات تجاه ما يجري.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث