هل تكشف شبكات "واي فاي" ما يجري داخل المنازل؟

صفاء عيّادالثلاثاء 2026/06/16
تسهل أجهزة الراوتر منخفضة الكلفة عمليات التجسس والاختراق (Getty)
تسهل أجهزة الراوتر منخفضة الكلفة عمليات التجسس والاختراق (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تتوالى الدراسات التكنولوجية المتعلقة بشبكات "واي فاي" وقدرتها على الرصد والتجسس. وظهرت أخيراً دراسات تتناول استخدام برمجيات مفتوحة المصدر لاكتشاف الحركة عبر الجدران باستخدام إشارات "واي فاي" فقط.

ومن خلال تحليل كيفية انعكاس الإشارات اللاسلكية وتغيرها داخل البيئة المحيطة، تستطيع الأنظمة رصد الحركة ووجود الأشخاص وبعض الأنشطة من دون الحاجة إلى كاميرات أو رؤية مباشرة. وما كان يبدو سابقاً أقرب إلى الخيال العلمي، أصبح أكثر واقعية بفضل تطور الذكاء الاصطناعي وتقنيات معالجة الإشارات وتوافر أجهزة منخفضة الكلفة.

 

وبينما تقدم التكنولوجيا باعتبارها تطوراً واعداً في مجالات الرعاية الصحية والإنقاذ، فإنها تثير في المقابل أسئلة جدية حول الخصوصية والأمن، خصوصاً في البلدان التي تشهد نزاعات عسكرية مثل لبنان. وقال مستشار الأمن الرقمي راغب غندور الذي يعمل في بحوث حول المراقب والحريات المدنية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في حديثه مع "المدن"، أن جهاز الراوتر يرسل إشارات لاسلكية بشكل مستمر، أشبه بموجات غير مرئية تملأ الغرفة وتعبر الجدران. وعندما يتحرك جسم بشري داخل هذا الفضاء، حتى لو كان يتنفس فقط، فإنه يعترض هذه الموجات ويحدث فيها تغييرات دقيقة جداً.

وشرح غندور أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي تعلمت قراءة هذه التغيرات وتحويلها إلى معلومات، مثل عدد الأشخاص الموجودين في الغرفة، وما إذا كانوا يتحركون أو يجلسون أو ينامون، مؤكداً أنه ليس خيالاً علمياً، بل أن أبحاثه منشورة في كبرى الجامعات العالمية، وبعضها تحول إلى معايير دولية مازالت قيد التطوير.

 

وفي ما يتعلق بإمكانية اكتشاف وجود أشخاص خلف الجدران باستخدام شبكات "واي فاي" المنزلية العادية، أقر غندور بصحة ذلك، مشيراً إلى أن الأمر ليس ادعاءً مبالغاً فيه. مستشهداً بأبحاث نشرها "معهد MIT" المرموق، أظهرت إمكانية تتبع وضعية الجسم البشري عبر الجدران باستخدام إشارات الراديو العام 2022. كما أثبت باحثون من "جامعة ووترلو" الكندية، إلى أن أي طائرة مسيرة منخفضة الكلفة تحلق خارج المبنى يمكنها رسم خريطة للأجهزة اللاسلكية الموجودة داخله، وبالتالي تحديد الطوابق المأهولة بالسكان.

 

وأوضح غندور أن الفرق بين التقنيات المنزلية والعسكرية أو المتخصصة يكمن في مستوى الدقة والموارد المستخدمة. فالراوتر المنزلي العادي لا يقوم بهذه المهمة تلقائياً، لكن جهازاً متخصصاً يستطيع التقاط إشاراته من الخارج واستخدامها كمصدر للمعلومات.

ولا يقتصر الاهتمام بالتقنية على آلية عملها فحسب، بل يمتد إلى مستوى دقتها وقدرتها الفعلية على جمع المعلومات من البيئات المحيطة. وأوضح غندور أن دقة التقنية تصل إلى نحو 95% عند كشف وجود الأشخاص داخل الغرف، فيما تبلغ دقتها نحو 85% في تقدير عدد الأشخاص حتى خمسة أفراد، وتحديد نشاطهم. كما تصل قدرتها على قياس معدل التنفس إلى نحو 90%.

وبحسب غندور، تنخفض النسب في البيئات السكنية المكتظة، مثل أحياء بيروت، حيث تتداخل عشرات الشبكات اللاسلكية مع بعضها البعض، لكن الانخفاض لا يعني فقدان الفعالية بالكامل، حيث يمكن للجهات التي تمتلك موارد متقدمة وخوارزميات متطورة تجاوز جزء كبير من هذه التحديات، خصوصاً أن التقنية تشهد تطوراً متسارعاً.

 

ولا تقتصر استخدامات التكنولوجيا على المجالات العسكرية أو الاستخباراتية، بل تشمل تطبيقات مدنية عديدة، أبرزها رعاية كبار السن، حيث يمكن استخدامها لاكتشاف حالات السقوط داخل المنازل من دون الحاجة إلى كاميرات، بما يحافظ على الخصوصية والكرامة الشخصية. كما تستخدم في تطبيقات طبية لمراقبة التنفس أثناء النوم والكشف عن اضطرابات انقطاع النفس، بديلاً من بعض أجهزة الاستشعار التقليدية المرهقة للمرضى.

لكن الوجه الآخر لهذه التكنولوجيا يبرز عند استخدامها في البيئات الأمنية والعسكرية، حيث تتحول من أداة للرعاية والمساعدة إلى وسيلة محتملة للرصد وجمع المعلومات، حيث تشكل التقنيات خطراً إضافياً في البيئات التي تشهد نزاعات عسكرية، كما هو الحال في لبنان. وأشار غندور إلى أن الخطر "حقيقي ومحدد"، لأن الراوتر المنزلي يبث إشاراته بشكل مستمر، وهذه الإشارات ربما تكون بحد ذاتها مؤشراً على وجود حياة داخل المنزل، مضيفاً أن أي جهة عسكرية تمتلك أجهزة استشعار سلبية تستطيع نظرياً بناء صورة عن المباني المأهولة في منطقة معينة من دون الحاجة إلى التفاعل مع الشبكة أو كشف وجودها.

وتابع غندور: "في سياق لبنان، حيث استهدفت الغارات أحياناً مباني استناداً إلى معلومات استخباراتية عن وجود أشخاص بداخلها، فإن هذا البعد ليس أكاديمياً. فمجرد وجود شبكة واي فاي نشطة يوفر نظرياً معلومات تفيد بوجود أشخاص داخل المبنى وعدم إخلائه، وفي بعض الحالات ربما تكون هذه المعلومة وحدها كافية". 

 

وأشار غندور إلى أن الجيوش تستخدم منذ عقود رادارات متخصصة للكشف عبر الجدران، لكنها معدات مرتفعة الكلفة ومحدودة الانتشار. أما التقنية الحديثة فتمثل تطوراً أقل كلفة وأكثر انتشاراً للفكرة نفسها. أما المعلومات التي يمكن جمعها، فتشمل معرفة ما إذا كان هناك أشخاص داخل المبنى، وما إذا كانت هناك حركة من عدمها، وهي من نوع المعلومات الاستخباراتية الميدانية التي تستخدمها الجيوش في تقييم الأهداف. ويكمن الخطر، في أن جمع هذه البيانات يتم بصورة سلبية من دون علم الأشخاص المعنيين.

وأكد غندور أن أجهزة الراوتر المنزلية والشبكات اللاسلكية تشكل نقطة ضعف أمنية خلال الحروب، مضيفاً أن هنالك مسارين رئيسيين لهذا الخطر: الأول يتمثل في الإشارة السلبية نفسها، حيث يكفي بث الراوتر للإشارات للكشف عن وجود أشخاص داخل المكان. أما المسار الثاني فهو الاختراق المباشر، فإذا تعرض الراوتر لثغرة أمنية أو للاختراق، فإنه يتحول نظرياً إلى جهاز استشعار ينقل معلومات من داخل المبنى إلى جهات خارجية.

وأشار غندور، إلى أن انتشار أجهزة الراوتر منخفضة الكلفة في لبنان، والتي وثقت تقارير أمنية دولية وجود ثغرات أمنية فيها، يجعل هذا السيناريو أكثر واقعية، خصوصاً في سياق النزاعات، حيث تتحول البنية التحتية للاتصالات والإنترنت إلى أهداف أو أدوات ضمن المعركة الأمنية والاستخباراتية.

 

في المقابل، يطرح سؤال حول مدى إمكانية استفادة فرق الإنقاذ والدفاع المدني من التكنولوجيا للبحث عن ناجين تحت الأنقاض بعد الغارات. وقال غندور أن هذا الاستخدام يعد من أكثر التطبيقات الإنسانية الواعدة والواقعية، مشيراً إلى أن جهاز "FINDER" الذي طورته وكالة "ناسا" يعتمد على مبدأ قريب من هذه التقنية، حيث يستخدم الرادار الدقيق لرصد التنفس، وتم اختباره في كوارث حقيقية وأثبت قدرته على كشف أحياء تحت الركام.

لكن تطبيق التكنولوجيا بعد الغارات يواجه تحديات عملية، أبرزها أن الأنقاض ربما تشوش الإشارات، إضافة إلى محدودية وصول فرق الإنقاذ في لبنان إلى المعدات المتخصصة اللازمة، ما يستدعي دعماً من المنظمات الإنسانية الدولية لتأمين هذه الأجهزة.

 

إلى ذلك، تبرز تحديات قانونية وأخلاقية أمام استخدام تقنيات قادرة على كشف وجود أشخاص داخل منازلهم من دون موافقتهم. وأشار غندور إلى أن الإشكالية القانونية لهذه التقنيات واضحة، نظراً إلى ارتباطها بحق الخصوصية داخل المنزل، وهو أحد الحقوق الأساسية التي تكفلها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان. واعتبر أن كشف وجود أشخاص داخل منازلهم من دون موافقتهم أو من دون إذن قضائي يشكل انتهاكاً لهذا الحق، بغض النظر عن الأداة المستخدمة، سواء كانت كاميرا أو ميكروفوناً أو إشارات "واي فاي". 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث