بعدما علم بتوصل طهران وواشنطن إلى اتفاق ينهي الحرب في الشرق الأوسط ويشمل لبنان، عاد كمال كمال إلى مدينته النبطية، ليفاجأ بأن تعب العمر استحال ركاماً، بعدما سوت اسرائيل مؤسسته ومستودعاته بالأرض.
وشكلت مدينة النبطية، مركز المحافظة التي تحمل الاسم ذاته في جنوب لبنان، منذ الأسبوع الماضي هدفاً لهجمات اسرائيل، بعدما طالتها إنذارات إخلاء وغارات، وتقدم الجيش الإسرائيلي ميدانياً في محيطها، ما جعلها شبه مقفرة من سكانها البالغ عددهم قرابة تسعين الفاً قبل اندلاع الحرب الاخيرة بين "حزب الله" واسرائيل في 2 آذار/مارس الماضي، حسبما نقلت وكالة "فرانس برس".
وأمام الشارع الذي يحمل اسم مؤسسته "بن الكمال"، لم يقو كمال على حبس دموعه وهو يعاين أكوام الركام متكئاً على عصا تعينه في خطواته الثقيلة. وقال بتأثر شديد: "يا ضيعان العمر الذي أفنيناه هنا"، مشيراً إلى مؤسسته ومستودعاته التي لم تبق الغارات الإسرائيلية أثراً لها. وأضاف بينما مسح عينيه بمنديل ورقي: "افتتحتها في السبعينيات حين كنت شاباً. لم يبق شيء"، موضحاً أن الشارع بأكمله "يحتاج إلى جرف" لرفع الركام.
وعلى غرار الرجل المعروف ومؤسسته من أبناء مدينته، تحسر العائدون من السكان على الدمار الهائل الذي يلف أحياء في المدينة بينها أسواقها التجارية المسقوفة التي انهار سقفها ولحقت أضرار جسيمة بمحالها جراء الغارات الإسرائيلية. وعاين مصور "فرانس برس" دماراً لحق بمنازل ومؤسسات في المدينة التي تعد مركز نشاط اقتصادي واجتماعي وخدمي في المنطقة، وتشكل صلة وصل بين مناطق عدة في جنوب البلاد.
وأخلى الجيش اللبناني موقعاً في محيط المدينة الأسبوع الماضي، وأقام الإثنين حاجزاً على مدخلها، وتولى إرشاد السكان الى الطرق التي يمكنهم سلوكها على وقع دوي قصف مدفعي اسرائيلي متقطع وتصاعد الدخان في محيط المدينة. وحث الجيش اللبناني السكان في بيان على "التريث" في العودة إلى القرى والبلدات الحدودية الجنوبية. ودعاهم "حزب الله" الى "انتظار توجيهات المعنيين بشأن العودة الآمنة إلى قراهم وبلداتهم، حرصاً على سلامتهم وتفادياً لأي مخاطر قد تنجم عن خروقات العدو الإسرائيلي المحتملة".
ورغم أن بلدية النبطية دعت السكان الى عدم العودة في الوقت الراهن "نظراً لاستمرار دقة الوضع الأمني وعدم استقراره"، إلا أن ذلك لم يحل دون عودة السكان التي كانت خجولة صباحاً قبل أن تزداد وتيرتها لاحقاً. وتفقد بعض السكان منازلهم وعاين آخرون الأضرار التي لحقت بممتلكاتهم، بينها المحال التجارية المنتشرة بكثرة في المدينة. وعملت آليات وجرافات منذ الصباح على رفع الأنقاض من الشوارع الرئيسية تسهيلاً لعودة السكان.
وفي أحد أحياء المدينة المدمرة بالكامل، وقفت رنا نصرالله (45 عاماً) التي نزحت خلال الحرب الأخيرة مع عائلتها الى مدينة صيدا الساحلية تعاين الدمار، حيث تناثرت ملابس وفرش وأحواض زهور وذكريات تستعيدها بفخر. وقالت السيدة التي خسرت منزلها: "نشأنا في هذا الحي. هنا كنا نلعب ونحن أطفال، وهنا كانت النسوة الكبار يتسامرن، وأمامنا سوق النبطية الاثرية.. هنا المعالم التي أرادوا ربما محوها". وأوضحت: "فور الإعلان عن وقف لإطلاق النار وقبل أن يصدر أي بيان رسمي انطلقنا وجئنا الى هنا، لم يعد بإمكانك أن ننتظر أكثر. جئنا لنشم تراب بلدنا. حتى لو لم يكن ثمة منزل يأوينا ولا عمل، لكن تشعر بفرج للروح".
ورغم الدمار الهائل الذي يلف المدينة، على غرار العشرات من البلدات والقرى الجنوبية التي دمرتها القوات الإسرائيلية كلياً أو جزئيا خلال الحرب الأخيرة، أعربت نصرالله عن أملها بإعادة بناء ما تدمر. وقالت: "رغم الحزن والأسى عند رؤية المدينة مدمرة.. لكن يعترينا الأمل بأننا سنعيد البناء. لم نشعر لمرة أننا مهزومون وأننا لن ننتصر وأننا لن نعود لنعيد بناء النبطية".




