لفت الجزء المتعلق بـ"التوقيع الإلكتروني" في تصريح رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، انتباه كثير من المتابعين، بعدما أشار إلى أن الاتفاق المرتقب بين واشنطن وطهران قد يُوقَّع إلكترونياً فور الانتهاء منه.
وتكتسب هذه النقطة أهميتها من ارتباطها باتفاق يُنتظر أن يطوي صفحة طويلة من التوتر والصراع بين طرفين تجمعهما تجربة عقود من العداء المتراكم، مما جعل آلية التوقيع نفسها جزءاً من النقاش المثار حول الاتفاق، لا مجرد إجراء بروتوكولي ثانوي.
ما التوقيع الإلكتروني أصلاً؟
ببساطة، هو بديل رقمي للتوقيع الورقي يتيح اعتماد الوثائق والاتفاقيات رسمياً عن بُعد. غير أن الأمر لا يقتصر على مجرد توقيع إلكتروني بالمعنى المتداول، إذ تعتمد هذه الآلية على تقنيات تتحقق من هوية الموقّع وتضمن سلامة الوثيقة بعد اعتمادها.
ومن الناحية القانونية، يحمل التوقيع الإلكتروني في كثير من دول العالم القيمة نفسها التي يحملها التوقيع التقليدي، متى اعترفت به الأطراف المعنية واندرج ضمن إجراءاتها الرسمية، وهو ما جعله جزءاً متزايد الحضور في المعاملات والوثائق الرسمية حول العالم.
هل هذا التوقيع جديد دبلوماسياً؟
لا يعد هذا الإجراء سابقة، وإن بدا الأمر للوهلة الأولى غريباً. فمنذ سنوات، تُعتمد مذكرات تفاهم واتفاقيات عديدة عبر تبادل وثائق إلكترونية موقَّعة رقمياً بين الحكومات والمنظمات الدولية. وساهمت جائحة "كورونا" في تسريع هذا التحول، بعدما دفعت مؤسسات لطالما تمسكت بالحضور الجسدي والإجراءات التقليدية إلى تبني أدوات العمل عن بُعد.
وعليه، فإن التوقيع الإلكتروني لم يعد استثناءً في الممارسة الدولية، بل أصبح أحد تجليات التحول الرقمي الذي شمل الدبلوماسية كما شمل قطاعات أخرى حول العالم.
دلالات محتملة لخصوصية الأطراف
هنا يصبح الأمر أكثر إثارة للتأمل. فطريقة إبرام الاتفاق ليست محايدة دائماً، بل قد تحمل رسائل ضمنية بحد ذاتها. التوقيع الإلكتروني يعني أنه لن تكون ثمة قمة، ولا صور مصافحة، ولا ظهور مشترك أمام الكاميرات، وهي اعتبارات قد تكون حساسة لطرف أو أكثر في ملف بهذا الثقل.
كما أنه يعني إمكانية الإنجاز السريع بمجرد توافر الإرادة، من دون الانتظار لأسابيع لترتيب لوجستيات حفل توقيع رسمي. وفي الوقت نفسه، يمكن قراءته على أنه تعبير عن أن التباعد بين الطرفين لا يزال قائماً حتى وهما يتفقان، إذ يوقّعان من مكانين مختلفين من دون أن يلتقيا.
ما يهم في أي اتفاق هو ما يتضمنه، لا الكيفية التي يُوقَّع بها. لكن الاهتمام بطريقة التوقيع في هذه الحالة بالذات، بالنظر إلى خصوصية العلاقة بين إيران والولايات المتحدة، ليس من قبيل الترف التحليلي، إذ قد يكشف شيئاً عن طبيعة العلاقة بين الطرفين وحجم الثقة المتاحة بينهما.




