يعود ملف حقوق بث مباريات كأس العالم 2026 إلى الواجهة في لبنان، حيث تتحول مباريات كرة القدم العالمية إلى اختبار جديد لقدرة السوق المحلي على مواكبة أسعار المحتوى الرياضي المدفوع. وبينما يرتفع إقبال اللبنانيين على متابعة المونديال والبطولات الكبرى، يجد المشاهد نفسه أمام معادلة صعبة: اشتراكات رسمية مرتفعة الكلفة، وخيارات غير شرعية أقل سعراً لكنها محفوفة بالمخاطر.
حقوق حصرية
يشرح أحد العاملين في قطاع توزيع خدمات التلفزيون المدفوعة في لبنان، محمد عون، لـ"المدن"، أن سوق البث الرياضي يخضع بشكل أساسي لحقوق حصرية تمنحها الشركات العالمية وفق عقود تجارية، مشيراً إلى أن شركة Cablevision Lebanon هي الجهة الحاصلة على حقوق توزيع قنوات beIN Media Group وOSN في لبنان.
ويقول عون إن كلفة الاشتراك الرسمي تشكل عائقاً أمام شريحة واسعة من اللبنانيين، خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية وتراجع القدرة الشرائية. ويضيف: "إذا كان الاشتراك الشرعي من خلال "كابل فيجن" يكلف حوالى 95 دولاراً شهرياً، فهناك خيارات أخرى أرخص، مثل اشتراكات غير شرعية عبر الإنترنت قد تصل إلى نحو 30 دولاراً لستة أشهر، لكنها تبقى معرضة للانقطاع أو ضعف الجودة بسبب مشاكل الإنترنت في لبنان".
العرض في المقاهي
ولا يقتصر سوق البث الرياضي على المشاهدين في المنازل فقط، إذ تواجه المقاهي والمطاعم تحدياً إضافياً بسبب التراخيص التجارية الخاصة. فالمؤسسات التي ترغب بعرض المباريات أمام الجمهور تحتاج إلى اشتراك مخصص، وتُحتسب الكلفة عادة وفق عدد المقاعد.
ويشرح عون: "المقهى الذي يملك عشرات الكراسي قد يجد نفسه أمام فاتورة مرتفعة جداً خلال فترة البطولات، وقد تصل الكلفة إلى آلاف الدولارات للموسم الواحد"، لافتاً إلى أن الأسعار التجارية تختلف عن اشتراكات المنازل بسبب طبيعة الاستخدام العام.
خدمات بث غير شرعية
في المقابل، تنتشر في السوق اللبنانية خدمات البث غير الشرعية، خصوصاً عبر أنظمة IPTV والسيرفرات الخارجية، بسبب انخفاض كلفتها مقارنة بالاشتراكات الرسمية. إلا أن هذه الخدمات تبقى معرضة للمشاكل التقنية والقانونية، خصوصاً عند استخدامها في الأماكن التجارية.
ويؤكد عون أن المقاهي والمطاعم التي تعتمد على اشتراكات غير قانونية قد تواجه محاضر ضبط وغرامات تختلف قيمتها بحسب حجم المؤسسة وعدد المقاعد.
تلفزيون لبنان… محاولة معلقة
وسط هذا الواقع، يبرز السؤال حول إمكانية أن يلعب التلفزيون الرسمي اللبناني دوراً في تأمين نقل بعض البطولات الكبرى، بما يسمح للجمهور بمتابعتها بأسعار أقل أو مجاناً.
وفي حديثها لـ"المدن"، توضح مديرة تلفزيون لبنان أليسار نداف أن موضوع نقل مباريات كأس العالم عبر الشاشة الرسمية لا يزال قيد الانتظار، مشيرة إلى أن التواصل حصل سابقاً مع قناة beIN، لكن الطلب الرسمي قُدّم لاحقاً ولم يصل الرد النهائي بعد.
وتقول نداف: "إذا وصلنا جواب، سنعلن عنه مباشرة، لأن الهدف هو إعطاء فرصة لكل الشعب اللبناني لمتابعة المباريات، خصوصاً أن الحقوق حالياً مدفوعة وتحتاج إلى تكاليف كبيرة".
وتشير إلى أن تكلفة الحصول على حقوق البث مرتفعة جداً، قائلة: "لا أملك رقماً دقيقاً، لكن بالتأكيد هي تتجاوز عشرة ملايين دولار، ولم نحصل بعد على عرض أو تسعيرة نهائية".
وترى نداف أن كرة القدم تتجاوز كونها مجرد محتوى ترفيهي، خصوصاً في الظروف الحالية، مضيفة: "هذه رياضة محبوبة لدى اللبنانيين، ومن حقهم أن يتمكنوا من متابعة المونديال وتحليله، خصوصاً في هذه المرحلة".
أما عن العوائق التي قد تمنع حصول التلفزيون اللبناني على الحقوق، فتوضح أن الأمر مرتبط بالجانب المادي واللوجستي وبانتظار الرد الرسمي من الجهات المالكة للحقوق.
في المقابل، يرى مصدر من داخل تلفزيون لبنان أن إمكانية النقل تبدو صعبة في ظل ارتفاع كلفة البث، خصوصاً مع الأوضاع الاقتصادية والحرب، مشيراً إلى أن عدم وجود جواب نهائي حتى الآن قد يعني عملياً عدم القدرة على تأمين النقل، إلا إذا طرأ تغيير في اللحظات الأخيرة.
سوق منقسم بين الرسمي وغير الشرعي
يعكس ملف حقوق البث الرياضي في لبنان أزمة أوسع مرتبطة بسوق المحتوى المدفوع. فمن جهة، تحاول الشركات الحفاظ على حقوقها التجارية وسط كلفة عالمية مرتفعة، ومن جهة أخرى يواجه الجمهور اللبناني واقعاً اقتصادياً يجعل الاشتراكات الرسمية بعيدة عن متناول كثيرين.
وبين اشتراكات قانونية مرتفعة، وخدمات غير شرعية تنتشر بسبب ضعف القدرة الشرائية، يبقى المشاهد اللبناني عالقاً في منتصف المعادلة، بينما تتحول البطولات الكبرى إلى فرصة تكشف هشاشة سوق الإعلام اللبناني في بلد يعيش أزمات متتالية.




