كسر الحكم الصادر مؤخرًا بحق الصحافي رامي نعيم، عُرفًا قضائيًا وسياسيًا استقر لسنوات طويلة يقضي بعدم اللجوء إلى عقوبة الحبس النافذ في قضايا الرأي والنشر.
تجاوز هذا الحكم النقاش التقليدي حول حدود النقد المهني، ليفتح "صندوق الجدل" المتصل بصراع محموم بين هيبة القضاء وحصانته من جهة، وتحصين العمل الصحافي من المقصلة الجنائية من جهة أخرى، في توقيت يمر فيه لبنان بأدق مفاصله السياسية والمؤسساتية.
الحكم: السجن ومليار ليرة!
قضى القرار القضائي بإدانة رامي نعيم بجرائم الذم والقدح والتحقير، وأنزلت بحقه عقوبة الحبس النافذ لمدة شهر واحدٍ، في خطوةٍ تميزت بصرامتها، حيث جاءت العقوبة غير قابلة للاستبدال بغرامة مالية.
ولم يتوقف الأمر عند حدود سلب الحرية، بل ألزم الحُكم نعيم بدفع تعويض ماليّ للجهة المدعية بلغت قيمته مليار ليرة لبنانية.
تعود خلفية هذه القضية إلى مقطع فيديو لرامي نعيم نشر عبر منصة "السياسة"، اعتبرت فيه الجهة المدعية الممثلة بالمحاميتين مايا جعارة وأرليت بجاني، أن كلام نعيم تجاوز حدود النقد المباح ليصل إلى التشهير المباشر. وكان نعيم قد قال في الفيديو ما زعم أنها معلومات عن المدعيتين والقاضية غادة عون، واعتبر أن الأخيرة تمارس عملها بانتقائية سياسية بهدف إبتزاز أصحاب المصارف تحت غطاء الدفاع عن المودعين. واستخدم توصيفات حادة كـ"رئيسة عصابة"، و"سماسرة" وهي العبارات التي رأى فيها القضاء مدخلًا للحكم على نعيم.
بين هيبة القضاء والانتقاد اللاذع
يرى المدافعون عن الحكم أنه جاء ليدع حدًا لما يصفونه بـ"الانفلات الإعلاميّ"، ورحّبت عون والجهة المدعية بالقرار معتبرين الأمر انتصارًا للقانون والقضاء. يستند المنطلق هنا إلى أن فكرة الحرية الصحافية ليست مطلقة بلا ضوابط، وأن الإفتراء وتشويه السمعة لا يقل خطورة عن الجرائم الجنائية.
انتفاضة نقابية
أحدث الحكم هزةً في الجسم الصحافيّ قادتها نقابة الصحافة ونقابة محرري الصحافة اللبنانية، اللتان اعتبرتا حكم السجن النافذ سابقة خطيرةً وتراجعًا دراماتيكيًا في سقف الحريات العامة. المنطق النقابيّ لا يدافع بالضرورة عن المضمون أو الأسلوب الذي اعتمده رامي نعيم، لكنه يرفض بشكل قاطعٍ مبدأ السجن كوسيلة عقاب للصحافيين. ويعتبر أن الغرامات المالية والتصحيح الردعي هما السبيل الأنسب للتعامل مع تجاوزات النشر.
وجد هذا الموقف صدى له في المواقف السياسية. إذ سارع وزير الاعلام بول مرقص إلى رفض خيار توقيف الصحافيين. وذكر بالمساعي المستمرة لتحديث قانون الاعلام اللبناني بهدف إلغاء العقوبات السجنية نهائيًا وحصرها بالغرامات المالية، وذلك تماشيًا مع المعايير الدولية التي ترى في حبس الإعلاميين أداة ترهيبٍ تؤدي إلى قمع الحريات.
الذاكرة القضائية: متى سجن صحافي آخر مرة؟
تكمن خطورة هذا الحكم في أنه يحيي نصوصًا قانونيًا ظن الكثيرون أنها أصبحت معطلة بحكم العرف التراكمي. وإذا كان القضاء قد أصدر في العقود الأخيرة أحكامًا غيابية في الحبس، مثل حكم المطبوعات عام 2018 بحق الإعلامي مارسيل غانم والتي استبدلت بغرامة مالية، فإن الذاكرة الصحافية تعود عقودًا إلى الوراء للبحث عن تنفيذ فعليّ لعقوبة السجن بحق صحافيّ.
يُسجّل لبيروت أنها خاضت معارك شرسة لحماية الصحافة. إذ شهدت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي محاكمات شهيرة طالت كبار الصحافيين مثل غسان تويني وسعيد فريحة وسليم اللوزي، والذين تعرض بعضهم للتوقيف الفعلي لفترات وجيزة بتهم المس بكرامة الرؤساء أو تعكير العلاقات مع دول شقيقة.
ومنذ تعديلات قانون المطبوعات في 1994 التي ألغت التوقيف الاحتياطي في قضايا المطبوعات، استقر العرف القضائي على تجنب سجن الصحافيين والاستعاضة عن ذلك بالغرامات المالية.
وكذلك تضمن التعديلات عدم مثول الصحافيين أمام الضابطة العدلية بل يمثلون حصرًا أمام القضاة المدنيين، وهذا ما يتكرر أخيراً عبر استدعاء بعض الأجهزة لصحافيين للمثول أمامها على خلفيات قضايا نشر بما لا يتناسب مع قانون المطبوعات.
تتجاوز القضية شخص رامي نعيم وأسلوبة لتطرح سؤالًا جوهريًا، كيف يمكن التوفيق بين صون كرامة الأفراد وهيبة القضاء وحماية الصحافة من سيف السجن الذي إن سحب من غمده فلن يسلم منه أحد؟
ويرى حقوقيون أن الإسراع في إقرار قانون إعلامي عصري يلغي العقوبات السجنية يمثل المخرج الوحيد لمنع انزلاق البلاد نحو تصفية الحسابات السياسية تحت قوس المحاكم.




