سوريا: "هاتوا الفلوس" تتحول ملفاً قضائياً

مصطفى الدباسالثلاثاء 2026/06/09
من حملة "فجر القصير" لجمع التبرعات في حمص (تشرين الثاني 2025 - انترنت)
من حملة "فجر القصير" لجمع التبرعات في حمص (تشرين الثاني 2025 - انترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

تحوّل الخلاف بين صانع المحتوى حسان عقاد والإعلامي ورجل الأعمال موسى العمر إلى قضية واسعة التداول في مواقع التواصل السورية، بعد استدعاء عقاد من قبل الأمن الجنائي، على خلفية شكوى تقدم بها العمر بحقه بتهمة التشهير والإساءة، إثر مقاطع نشرها عقاد ضمن حملته المعروفة باسم "هاتوا الفلوس اللي عليكم"، التي بدأت بمطالبة شخصيات عامة ورجال أعمال ومسؤولين بتسديد تعهدات مالية أعلنوها في حملات تبرع عامة، ثم انتقلت إلى نقاش أوسع حول الشفافية في أموال التبرعات وحدود الرقابة الشعبية، والفاصل القانوني بين النقد العلني والتشهير.

وبدأت القضية من مقطع نشره عقاد في صفحته، ظهر فيه وهو يتجول في شوارع حمص مستخدماً مكبر صوت من داخل سيارة، وموجها حديثه إلى موسى العمر بالإسم، قائلاً أن العمر لم يسدد مبلغ 10 آلاف دولار لحملة "الوفاء لحمص"، داعياً أهالي المدينة إلى مطالبة العمر بالمبلغ الذي قال إنه وعد به ثم نسي دفعه.

وحمل المقطع طابعاً ساخراً، قبل أن يتبعه عقاد بمقطع آخر قال فيه، حسبما نشر العمر، "أرجو ألا يبصق أحد في وجهه عندما يراه"، مما دفع العمر إلى اعتبار ما حدث إساءة مباشرة وتشهيراً علنياً به وبعائلته.

ونشر العمر لاحقاً مقطعاً مصوراً قال فيه إنه تقدم بدعوى قانونية ضد عقاد، مؤكداً أنه تعرض، بحسب وصفه، لأذى شديد وشتم وتشهير، وأن أحداً لا يملك حق نشر أسماء أشخاص ومطالبتهم علناً بمبالغ مالية أو اتهامهم بعدم الدفع، خصوصاً أن عقاد لا يمثل جهة رسمية مسؤولة عن تلك الحملات.

وقال العمر إن ما ذكره عقاد بشأن عدم دفعه المبلغ "غير صحيح"، مضيفا أنه دفع خلال حملات عديدة في سوريا مبالغ كبيرة قال إنها وصلت إلى نحو 700 ألف دولار، وأن القانون سيأخذ مجراه. 

وفي منشور آخر، شارك العمر تسجيلاً لصانع المحتوى، ماغوط حوران، كان قد انتقده، وقال إنه يتقبل هذا النوع من النقد لأنه، وفق تعبيره، نقد محترم ولا يتضمن تشهيراً، مؤكداً أنه مع حرية الرأي حين لا تتحول إلى تشويه سمعة أو ألفاظ قدح وذم.

وسبق ذلك أن أعلن عقاد تلقيه استدعاءً من وزارة الإعلام، ثم عاد في منشور آخر ليقول إنه استُدعي من قبل الأمن الجنائي يوم الأحد، قبل أن تنشر شقيقته أخيراً منشوراً قالت فيه أن الاتصال مع شقيقها انقطع منذ دخوله فرع الأمن الجنائي، متحدثةً عن مرور نحو 24 ساعة من دون معرفة واضحة بوضعه، الأمر الذي وسع موجة التضامن معه في مواقع التواصل، ودفع ناشطين وإعلاميين إلى المطالبة بتوضيح رسمي حول مكانه وطبيعة الإجراء المتخذ بحقه.

غير أن الناشط وصانع المحتوى تامر تركماني، قدم رواية مغايرة، إذ نشر قائلاً فيه إنه كان برفقة عقاد يوم الأحد حتى الساعة الثالثة عصراً، وأن الأخير لم يكن موقوفاً، موضحا أنهم بقوا معه حتى الحادية عشرة ليلاً لمحاولة حل القضية، قبل أن يضيف أن عقاد سلّم هاتفه للأمن الجنائي، وأن أوراقه ستحال إلى النائب العام، ليقوم محاميه لاحقاً بمتابعتها مع موسى العمر.

 وكتب عقاد اليوم منشوراً قال فيه إنه يريد أن يخبر السوريين بما حدث معه، لكنه يحتاج أولاً إلى أن يكون في "مكان آمن"، من دون توضيح المقصود بهذه العبارة، ما أبقى القضية مفتوحة بين روايات متضاربة وغياب بيان رسمي يحدد الصفة القانونية للإجراء.

حملة بدأت بسؤال

واشتهر عقاد خلال الأسابيع الماضية بحملة "هاتوا الفلوس اللي عليكم"، وهي سلسلة مقاطع طالب فيها أشخاصاً تعهدوا بتقديم أموال لحملات تبرع في سوريا بسداد ما وعدوا به. وركزت الحملة على تعهدات مالية أطلقت في مناسبات عامة لدعم مشاريع خدمية وإغاثية وإعادة إعمار، ثم تحولت إلى مادة نقاش حول غياب الشفافية في حملات التبرع، ومصير الوعود التي تُعلن أمام الكاميرات، والجهة التي تتابع تحصيل الأموال أو تعلن للرأي العام ما تم دفعه فعلاً.

وطاولت الحملة، بحسب مقاطع ومنشورات متداولة في مواقع التواصل، أسماء عديدة بينها موسى العمر، ورجل الأعمال محمد حمشو وأفراد من عائلته، إضافة إلى أسماء مثل وزير المالية محمد يسر برنية، ومحافظ حماة عبد الرحمن السهيان، وأحمد وعمر حمشو. وظهرت في بعض المقاطع أرقام منسوبة إلى هذه التعهدات، بينها 3500 دولار مرتبطة باسم برنية، و10 آلاف دولار مرتبطة باسم السهيان، و10 آلاف دولار مرتبطة باسم موسى العمر، ومبالغ أكبر منسوبة إلى آل حمشو، من دون توافر وثيقة رسمية جامعة تبين قيمة كل تعهد، وتاريخ إعلانه، والجهة التي يفترض أن تتولى تحصيله، أو ما إذا كان قد سدد كاملاً أو جزئياً.

واكتسبت الحملة زخمها من الحساسية العالية تجاه أموال التبرعات في سوريا بعد سقوط النظام، خصوصاً أن كثيراً من تلك التعهدات أعلن في مناسبات عامة وأمام الكاميرات، كما استفادت من تقديم عقاد لنفسه بصفته صوتاً يلاحق الوعود المالية التي تحولت، في نظر مؤيديه، إلى ديون معلنة تجاه المدن المتضررة. غير أن هذا الزخم جعل الحملة أكثر عرضة للانتقال من سؤال الشفافية إلى الضغط الشخصي، حين انتقلت من مساءلة عامة حول مصير المال إلى تسمية أشخاص بعينهم، والسخرية منهم، ومطالبتهم أمام جمهور واسع بدفع مبالغ محددة.

 

مساءلة أم تشهير؟

وتطرح القضية سؤالاً يتجاوز الخلاف الشخصي بين عقاد والعمر، إذ إن مطالبة الشخصيات العامة بتوضيح مصير تعهداتها المالية تبقى جزءاً من النقاش العام حول الشفافية، خصوصاً حين ترتبط تلك التعهدات بحملات تبرع معلنة، غير أن الوسيلة التي استخدمها عقاد، من خلال التجول في شوارع حمص بمكبر صوت وذكر اسم العمر مباشرة أمام الناس، ثم نشر الفيديو لاحقاً في صفحته التي يتابعها عدد كبير من السوريين، تجعل الواقعة أكثر تعقيداً من مجرد سؤال عن المال، لأنها تنقل الخطاب إلى فعل علني يحمل طابع الإحراج الشخصي، وقد يندرج قانونياً، بحسب مضمونه وطريقة عرضه، ضمن الذم أو القدح أو التحقير.

وفي القانون السوري، يعرّف قانون العقوبات، الذم، بأنه نسبة أمر إلى شخص، ولو في معرض الشك أو الاستفهام، من شأنه أن ينال من شرفه أو كرامته، فيما يعد القدح كل لفظة ازدراء أو سباب أو تعبير أو رسم يشف عن التحقير من دون أن يتضمن نسبة واقعة محددة. كما تتحقق العلنية، وفق المادة 208 من قانون العقوبات، عبر الكلام أو الصراخ أو الوسائل الآلية في مكان عام أو مباح للجمهور، وهو ما يجعل استخدام مكبر الصوت في الشارع عنصراً أساسياً في قراءة الواقعة قانونيا، خصوصاً أن الفيديو انتقل لاحقاً إلى الفضاء الإلكتروني وتضاعفت دائرة انتشاره.

وتزداد حساسية القضية في شقها الإلكتروني، لأن نشر الفيديو في صفحة عامة يفتح الباب أمام تطبيق قانون الجرائم المعلوماتية رقم 20 لعام 2022، الذي يتناول الذم والقدح والتحقير الإلكتروني، ويميز بين الأفعال التي تقع في نطاق محدود وتلك التي تتحقق علانيتها عبر الشبكة، حيث يصبح أثر المحتوى أوسع وأسرع. ومن هنا يبدو الاعتراض على أسلوب عقاد مفهوماً من زاوية قانونية ومهنية، حتى مع أهمية السؤال الأصلي الذي طرحته حملته حول أموال التبرعات، لأن الحق في مساءلة المتعهدين بالدفع يحتاج إلى وثائق وآلية تحقق واضحة، ولا يمنح صاحبه تفويضاً مفتوحاً لتحويل الأسماء إلى مادة للسخرية العامة أو الضغط الشخصي. ومن جهة أخرى، هل ثمة مستندات توضح مآل أموال التبرعات، سواء التي تم سدادها أو التي بقيت وعوداً أمام الكاميرات؟

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث