كانت سميرة بو صعب تأمل أن ترى تنفيذ حكم الإعدام بحق الرجل الذي حُكم عليه بالموت لقتله ابنها. لكن ذلك الرجل قد يُفرج عنه في نهاية المطاف بموجب مشروع قانون عفو عام واسع النطاق في لبنان، وهو ما يكشف التاريخ المعقد للولاءات والصراعات في البلاد، حسبما أفالدت وكالة "أسوشييتد برس" في تقرير نشرته السبت.
ومن المتوقع أن يشهد لبنان، خلال الأسابيع المقبلة، أكبر عملية عفو منذ انتهاء الحرب الأهلية المدمرة بين العامين 1975 و1990، وذلك بعد إقرار القانون في البرلمان وتوقيع رئيس الجمهورية عليه.
ويقضي القانون باستبدال أحكام الإعدام، وتخفيف أحكام السجن المؤبد، ويفضي في نهاية المطاف إلى الإفراج عن مدانين في قضايا تتعلق بالتشدد والاتجار بالمخدرات، مع استثناء جرائم مثل الاغتصاب، والاتجار بالبشر، والفساد، وتمويل الأعمال الإرهابية، والقتل العمد مع سبق الإصرار. كما يمكن أن يحصل المدانون بقتل عسكريين لبنانيين على تخفيض في مدد محكومياتهم.
ثلاث آلاف سجين
ومن المتوقع الإفراج عن أكثر من ثلاثة آلاف من أصل نحو 8600 موقوف، بمن فيهم أشخاص أمضوا ما لا يقل عن 14 عاماً في السجن من دون محاكمة. لكن بعض اللبنانيين يعارض العفو. فقد عمدت عائلات عسكريين شهداء إلى الاحتجاج عبر وضع عشرات الأحذية العسكرية الفارغة أمام مبنى البرلمان في بيروت.
وكان جورج بو صعب، نجل سميرة، وهو ملازم أول في الجيش، واحداً من 18 عسكرياً قتلوا خلال اشتباكات مع أنصار الشيخ السني المتشدد أحمد الأسير في مدينة صيدا الجنوبية العام 2013. وتساءلت بو صعب عمّا إذا كان للأسير، الذي أمضى 11 عاماً محكوماً بالإعدام، الحق في رؤية أطفاله وعائلته بموجب العفو، "في حين أن ابني يرقد تحت التراب وأطفاله لا يعرفونه". وإذا أُقر القانون، فسيُلغى حكم الإعدام بحق الأسير، وستبقى أمامه عشر سنوات إضافية يقضيها في السجن.
زوجة الأسير
في المقابل، قالت زوجة أحمد الأسير أنه ضحية بريئة لمؤامرة دبرها "حزب الله"، الذي قالت إنه أشعل المواجهات بين أنصار الشيخ والجيش اللبناني. أضافت أمل شمس الدين عن زوجها: "إنه يُعدم ببطء...لو كان هناك عدل في بلدنا، لكان هؤلاء الموقوفون قد أُفرج عنهم وعادوا إلى منازلهم منذ زمن طويل".
وكان آخر عفو كبير شهده لبنان في العام 1991، بهدف تسهيل المصالحة بعد الحرب الأهلية التي أودت بحياة 150 ألف شخص. وقد شاركت في الحرب مليشيات عديدة، معظمها ذو طابع طائفي، إلى جانب فصائل فلسطينية، كما تدخل الجيش السوري، ووصل الغزو الإسرائيلي العام 1982 إلى بيروت. وبعد ذلك العفو، أصبح معظم قادة المليشيات جزءاً من الطبقة الحاكمة في لبنان، التي وُجهت إليها لاحقاً اتهامات بالفساد وسوء الإدارة على مدى عقود، ما أدى إلى الانهيار الاقتصادي العام 2019.
انقسامات طائفية
وخلال صياغة قانون العفو الحالي، ظهرت بوضوح الانقسامات الطائفية العميقة داخل البرلمان. فقد طالب النواب السنة بالإفراج عن الإسلاميين، بينما سعى النواب الشيعة إلى إطلاق سراح تجار المخدرات، ومعظمهم من منطقة بعلبك الزراعية في شرق لبنان، المعروفة بزراعة القنب. أما النواب المسيحيون، فطالبوا بمنح العفو لمئات المواطنين الذين فروا إلى إسرائيل بعد انسحاب قواتها من لبنان العام 2000، وكثير منهم مرتبط بمليشيا جيش لبنان الجنوبي المدعومة من إسرائيل، والتي حُلّت بعد الانسحاب.
وقال النائب نبيل بدر، وهو من أبرز المؤيدين للعفو، إن "مشروع القانون دخل طريق الصفقات السياسية"، مضيفاً أن كثيراً من النواب يستخدمونه لتحقيق مكاسب سياسية.
أبناء المُبعدين إلى إسرائيل
كانت مريم يونس في الخامسة من عمرها عندما غادرت مع عائلتها إلى إسرائيل العام 2000. وهي تأمل أن يتيح لها العفو العودة إلى لبنان، حيث يمكنها لقاء جدتها مجدداً وزيارة قبر والدها الذي كان قائداً في جيش لبنان الجنوبي، وقد نُقل جثمانه إلى بلدته ليدفن فيها بعد وفاته العام 2013. لكن الاعتبارات السياسية ما زالت قائمة. وقالت يونس: "سنعود عندما يتخلص لبنان من حزب الله ومن السلاح غير الشرعي، وعندما يسود السلام بين لبنان وإسرائيل".
وكان حزب الله، الذي نشأ في جنوب لبنان العام 1982 رداً على الغزو الإسرائيلي، قد احتفظ بسلاحه بعد الحرب الأهلية لمواصلة قتال الاحتلال الإسرائيلي. وبعد انسحاب إسرائيل، بقي مئات من عناصر جيش لبنان الجنوبي في لبنان، وحُكم على بعضهم بالسجن، فيما أُفرج عن آخرين لاحقاً. وينص مشروع قانون العفو على أن اللبنانيين المقيمين في إسرائيل سيعاملون وفقاً لقانون العام 2011، والذي يقضي بتوقيف أفراد المليشيا المؤيدة لإسرائيل لدى وصولهم إلى لبنان، ومنحهم "محاكمة عادلة". إلا أن يونس أكدت: "أهلنا ليسوا مجرمين".
ومع إجراء لبنان وإسرائيل أول محادثات مباشرة بينهما منذ أكثر من ثلاثة عقود، بموازاة تصاعد نزاع جديد، تأمل يونس في التوصل مستقبلاً إلى معاهدة سلام وفتح الحدود. وقالت: "أنا واثقة من أن الوضع سيتغير، وأريد العودة إلى بلدي".




