"هل يمكن للدبلوماسية أن تنتصر؟" بهذا السؤال أعلنت كريستيان أمانبور، كبيرة المذيعين الدوليين في شبكة CNN، عن وصولها إلى بيروت، تمهيداً لمقابلة رئيس الجمهورية جوزاف عون. سؤال يبدو للوهلة الأولى استهلالاً صحافياً اعتيادياً، لكنه في حقيقته مفتاح لقراءة اللحظة التي اختارت فيها واحدة من أبرز الصحافيات الغربيات أن تحمل كاميرتها إلى العاصمة اللبنانية. فالاهتمام لا يقتصر على ما ستسأله أمانبور، بل يمتد أيضاً إلى دلالات حضورها في بيروت في هذا التوقيت بالذات.
ومن هنا، لا يمكن فهم أبعاد هذه الزيارة ودلالاتها من دون التوقف عند مسيرة أمانبور المهنية.
من الخنادق إلى الاستوديو
أمانبور، ليست مذيعة صعدت سلّم الشهرة من خلف الطاولات الزجاجية. انضمت إلى CNN عام 1983، وبنت اسمها في الميدان تحديداً، من بوسنة التسعينيات التي واكبت فيها الحرب وما رافقها من جرائم إبادة جماعية، وهي ترتدي السترة الواقية، إلى الحرب في الخليج، ورواندا، وأفغانستان، والعراق. كانت دائماً هناك حيث تتحول القرارات السياسية والعسكرية الكبرى إلى قصص إنسانية يعيشها الناس على الأرض.
لكن مع الوقت، انتقلت من تغطية النزاعات إلى تشريحها. صارت تقدم برنامج "Amanpour" على CNN International وبرنامج "Amanpour & Company" على شبكة PBS، وهو من أبرز البرامج الحوارية المعنية بالشؤون الدولية والسياسة الخارجية في الولايات المتحدة.
وعلى المستوى الشخصي، أطلقت في مايو/أيار 2025 بودكاست "The Ex Files" بالشراكة مع زوجها السابق جيمي روبين، الدبلوماسي الأميركي والمتحدث الأسبق باسم وزارة الخارجية الأميركية. هو الذي كان في غرفة القرار، وهي التي كانت في الميدان. عشرون عاماً من الزواج وسبع سنوات من الطلاق يُعيدان فيهما معاً قراءة العالم، كل أسبوع، من زاويتين مختلفتين.
ومع مرور السنوات، أكسبتها مقابلاتها مع الرؤساء والوزراء وصناع القرار حول العالم مكانة بارزة بين أبرز المحاورين السياسيين في الإعلام الدولي.
توقيت لبناني دقيق
لا يمكن فهم اختيار بيروت، من دون وضعه في سياقه. فلبنان اليوم يقف عند مفترق سياسي وأمني دقيق. فمن جهة، يخوض لبنان الرسمي مساراً تفاوضياً مباشراً مع إسرائيل برعاية أميركية أفضى إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، إلا أن هذا الاتفاق يبدو حتى الآن أقرب إلى نصّ على الورق، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والقصف الذي يطاول قرى جنوبية حتى لحظة كتابة هذه السطور.
ومن جهة أخرى، يتمسّك حزب الله بموقفه الرافض لأي مقاربة تمسّ بسلاحه أو بشروطه السياسية، رابطاً جزءاً من مستقبل الساحة اللبنانية بمآلات التفاوض الأميركي – الإيراني وبالتحولات الإقليمية التي لم تستقرّ خرائطها بعد.
عون ينقل رسالة لبنان إلى الغرب؟
من هذا المنطلق، يبدو اختيار الرئيس جوزاف عون لإجراء مقابلة مع أمانبور ذا دلالات. فالرئيس الذي تسلّم مهامه في مرحلة استثنائية، يجد نفسه أمام محطة إعلامية بالغة الأهمية تتيح له مخاطبة جمهور غربي واسع، لا يُستهان بتأثيره في دوائر صنع القرار في واشنطن وبروكسل ولندن. وهذا جمهور يتابع برامج أمانبور لا بحثاً عن الترفيه، بل سعياً إلى فهم التحولات السياسية والأمنية التي تشهدها المنطقة.
وما سيقوله الرئيس اللبناني في هذه المقابلة سيسهم، إلى حدٍّ ما، في رسم صورة عن الكيفية التي ينظر بها لبنان الرسمي إلى موقعه في المعادلة الإقليمية، وعن الاصطفافات السياسية التي يسعى إلى تكريسها أو النأي بنفسه عنها في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
السؤال هنا ليس فقط ماذا سيقول عون، بل كيف سيقوله؟ فأمانبور ليست محاورة تكتفي بالأسئلة التقليدية، بل صحافية اشتهرت بأسلوبها القائم على المواجهة المهنية الهادئة، وهي تعرف كيف تطرح أكثر الأسئلة حساسية من دون أن تفقد الحوار توازنه.
أكثر من مقابلة إعلامية
في عالم الإعلام الدولي، لا تُقاس أهمية المقابلات بعدد مشاهديها فحسب، بل أيضاً بالسياق الذي تُجرى فيه. ومن هذا المنطلق، تبدو زيارة كريستيان أمانبور إلى بيروت مؤشراً إضافياً إلى تدويل الأزمة اللبنانية، في ظل استمرار الحرب مع إسرائيل وتداعياتها السياسية والأمنية، والانقسامات الداخلية حول مستقبل سلاح حزب الله، وتداخل الملف اللبناني مع مسارات إقليمية ودولية تتجاوز حدود الساحة اللبنانية نفسها. ويأتي ذلك في لحظة تختلط فيها مسارات الحرب بالدبلوماسية، وتتداخل فيها الحسابات المحلية مع التحولات الإقليمية الأوسع.




