أثار تعميم صادر عن مديرية الرياضة والشباب في حماة سجالاً واسعاً في مواقع التواصل، بعدما طُلب من أصحاب البيوتات والمراكز الرياضية عدم افتتاح دورات في الرقص الشرقي، تحت طائلة اتخاذ إجراءات قانونية قد تصل إلى إغلاق المركز.
وجاء في نص القرار أنه "لوحظ من خلال الإعلانات الخاصة ببعض البيوتات والمراكز الرياضية الإعلان عن افتتاح دورات في الرقص الشرقي"، معتبراً أن هذا الأمر "مخالف للقوانين والأنظمة والتقاليد"، ومؤكداً على تعميم سابق يطلب عدم افتتاح هذا النوع من الدورات والتقيد بالتراخيص الخاصة بالبيوتات والمراكز الرياضية، مع التهديد باتخاذ الإجراءات القانونية بحق الأندية المخالفة "تحت طائلة إغلاق البيت أو المركز الرياضي".
وسرعان ما انتقل القرار من كونه تعميماً محلياً موجهاً إلى مراكز رياضية في محافظة واحدة، إلى مادة للسخرية والانتقاد في مواقع التواصل، حيث رأى معلقون أنه لا جدوى من من ملاحقة دورات رقص داخل مراكز خاصة، فيما سخر آخرون من اللغة التي جمعت بين "القوانين والأنظمة والتقاليد" في عبارة واحدة. وفي المقابل، دافع بعض المستخدمين عن القرار باعتباره تنظيماً للأنشطة المسموح بها داخل المراكز الرياضية، لا منعاً عاماً للرقص الشرقي أو تدخلاً مباشراً بالحياة الخاصة.
لكن جوهر المسألة يتعلق بالسند القانوني للقرار، وطبيعة الصلاحية التي تمارسها المديريات المحلية في مرحلة تبدو فيها القرارات الإدارية شديدة التأثر بمفهوم "الذوق العام" و"التقاليد"، من دون أن يكون واضحاً دائماً أين يبدأ التنظيم القانوني وأين تنتهي الحرية الشخصية.
ما السند القانوني؟
ولا يظهر في النص المتداول أي رقم قانون أو مادة أو قرار تنظيمي محدد يمنع الرقص الشرقي بذاته، كما لا يشير التعميم إلى نص واضح يدرج هذا النوع من الدورات ضمن الأنشطة المحظورة، وتعتمد الصياغة التي استخدمتها مديرية الرياضة والشباب في حماه على تعبير عام هو "مخالف للقوانين والأنظمة والتقاليد"، وهي صياغة تطرح سؤالاً أساسياً حول ما إذا كان القرار يستند فعلاً إلى قاعدة قانونية منشورة، أم إلى تفسير إداري لطبيعة النشاط المسموح به داخل المراكز الرياضية.
ولا توجد مادة تحظر الرقص الشرقي في سوريا بشكل عام. وهذا يعني أن القرار، وفق المعطيات الحالية، لا يمكن قراءته كمنع عام للرقص الشرقي في البلاد، وإنما كتقييد إداري داخل البيوتات والمراكز الرياضية الخاضعة لإشراف مديرية الرياضة والشباب في حماة.
رياضة أم فن أم ترفيه؟
ولا يقدم القرار جواباً واضحاً عن كيفية تصنيف الرقص الشرقي، فهو لا يقول إنه نشاط فني خارج اختصاص المراكز الرياضية، ولا يقول إنه نشاط ترفيهي غير مشمول بالترخيص، ولا يوضح إن كان المنع قائماً على اعتباره مخالفاً للمعايير الرياضية المعتمدة، ما يجعل التصنيف غامضاً ويضع المديرية أمام سؤال لا يمكن تجاوزه: هل المشكلة في طبيعة النشاط القانونية، أم في صورته الاجتماعية والثقافية؟
وفي العديد من السياقات، يمكن أن يكون الرقص نشاطاً بدنياً، وأن يستخدم في برامج اللياقة والحركة، كما يمكن أن يكون فناً أدائياً أو نشاطاً ترفيهياً. ولا يكفي، من الناحية القانونية، أن تعتبر جهة إدارية نشاطاً ما مخالفاً للتقاليد حتى تمنعه داخل منشآت مرخصة، ما لم تكن هناك لائحة واضحة تحدد الأنشطة الممنوعة أو شروطاً معلنة للترخيص.
كما لا توجد لائحة منشورة بوضوح تحدد جميع الأنشطة المسموح بها داخل البيوتات والمراكز الرياضية في سوريا، أو تفصل بين الأنشطة الرياضية والفنية والترفيهية داخل هذه المنشآت. وهذا الغياب يجعل القرار أكثر قابلية للجدل، لأن أصحاب المراكز والمدربين يحتاجون إلى معرفة مسبقة بما هو مسموح وما هو ممنوع، بدلاً من تلقي تعاميم لاحقة تحمل تهديداً بالإغلاق.
قرارات متتالية وسؤال الحريات
وشهدت سوريا خلال الأشهر الماضية قرارات وتعميمات مشابهة أثارت جدلاً حول الحريات الشخصية وحدود تدخل السلطات المحلية والإدارية في المظهر والسلوك والعمل. ففي اللاذقية، أثار تعميم منع الموظفات في المؤسسات العامة من وضع المكياج خلال الدوام الرسمي، انتقادات قانونية وحقوقية.. وكذلك في ريف دمشق، حيث قرر مجلس مدينة التل منع البائعين الذكور داخل محال الملابس النسائية الخاصة.
وفي دمشق، تسبب قرار تنظيم بيع المشروبات الكحولية بسجال واسع بعد حصر البيع في شروط وأماكن محددة، كما أثارت تعليمات متعلقة بلباس البحر في الشواطئ والمسابح العامة، وما رافقها من جدل حول الشورت والبكيني والبوركيني، موجة أخرى من النقاش في مواقع التواصل..
ما يجمع هذه القرارات والحوادث هو أنها لا تدور حول ملف واحد، وإنما حول سؤال أوسع: هل تتجه السلطات المحلية والإدارية إلى تنظيم الحياة العامة وفق نصوص قانونية واضحة وشفافة، أم وفق تقديرات أخلاقية واجتماعية قابلة للتوسع؟ وفي بلد يعيش مرحلة انتقالية، يصبح هذا السؤال أكثر حساسية، لأن بناء الثقة لا يتحقق إلا عبر وضوح القانون ونشر اللوائح وتحديد الصلاحيات، وترك مساحة آمنة للحريات الشخصية طالما أنها لا تخالف نصاً قانونياً صريحاً.




