"لست شجرة" تحث السوريين على المقاطعة الطائفية!

مصطفى الدباسالأربعاء 2026/06/03
Image-1780484318.Jpg
علويون في سوريا يرفعون شعارات تندد بالاقتتال الأهلي (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

أثارت حملة إلكترونية حملت اسم "لست شجرة" سجالاً واسعاً في مواقع التواصل السورية، بعد نشرها سلسلة من التصاميم التي تدعو إلى مقاطعة اجتماعية واقتصادية لأبناء الطائفة العلوية، من خلال الامتناع عن التعامل معهم في العمل والسكن والطبابة والخدمات والمشتريات اليومية، في خطاب  اعتمد على تعميم المسؤولية عن جرائم النظام السابق على مكون اجتماعي كامل، وتحويل مطلب المحاسبة إلى دعوة للعزل الجماعي.

وأنشئت صفحة الحملة في 31 أيار/مايو، من دون أن تظهر معلومات واضحة عن الجهة التي تديرها أو الأشخاص القائمين عليها، كما أطلقت حسابات موازية في منصات مختلفة، واعتمدت هوية بصرية موحدة ومنشورات متناسقة.

من العدالة إلى التعميم

وتقوم الحملة على معادلة خطيرة في تحويل الجريمة من فعل ارتكبه أفراد وجهات أمنية وعسكرية محددة إلى مسؤولية جماعية تلحق بمكون اجتماعي كامل. وتظهر في التصاميم المرفقة دعوات صريحة إلى عدم شراء اللحم وعدم ركوب سيارات الأجرة وعدم التعامل مع أطباء أو ممرضين وعدم بيع أو تأجير العقارات، وعدم تشغيل عمال بناء إذا كان الشخص المعني علوياً، وهي دعوات صريحة في التحريض على التمييز في الحياة اليومية.

ضرب العدالة الانتقالية

ويضرب هذا التحول جوهر العدالة الانتقالية في معناها القانوني القائم على المسؤولية الفردية، وعلى ملاحقة من أمر ونفذ وشارك وغطى الجرائم استناداً إلى الأدلة والإجراءات، فيما يدفع خطاب المقاطعة الطائفية نحو عقوبة جماعية تطاول جماعة بأسرها، ومكوناً من مكونات الشعب السوري، وفي الوقت نفسه تمنح المتورطين الفعليين فرصة للذوبان داخل جماعة أوسع، بدلاً من عزلهم قانونياً وسياسياً وأخلاقياً.

وحذر حقوقيون من أن ربط المحاسبة بالهوية الجماعية يحول العدالة إلى إدانة جماعية، ويقوض مسار كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا.

 

استثمار مأساة رانيا العباسي

اللافت في توقيت الحملة أنها ظهرت في اليوم نفسه تقريباً الذي تصاعد فيه التفاعل مع قضية أطفال رانيا العباسي، وهي قضية تحمل شحنة عاطفية هائلة، وهنا يصبح السؤال عن الجهة المستفيدة من تحويل الغضب المشروع إلى خطاب طائفي مُعمّم بشكل طائفي/عنصري، سؤالاً مركزياً، لأن استثمار مأساة بهذا الحجم لا يخدم مسار المحاسبة ويحول دماء الضحايا إلى مادة لتغذية الانقسام.

وبيئة رقمية قابلة للاشتعال

وتطرح الحملة مشكلة الصفحات مجهولة المصدر في الفضاء السوري، حيث تظهر يومياً حسابات ومنصات تحمل أسماء عامة وشعارات عاطفية، من دون تعريف واضح بالقائمين عليها أو مصادر تمويلها أو صلاتها السياسية، ثم تنتشر منشوراتها عبر شبكات إعادة نشر وتعليقات وحسابات متفاعلة، لتبدو كما لو أنها تمثل اتجاهاً اجتماعياً واسعاً. وفي الحالة السورية، لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن بيئة رقمية مشحونة بعد سقوط نظام الأسد، وعن تراكم الغضب بسبب بطء المحاسبة، وعن القابلية العالية لتحويل كل خبر مرتبط بالضحايا والمفقودين إلى مادة صراع رمزي بين الطوائف.

 

وكان تحقيق لشبكة "بي بي سي" كشف في سياق أوسع، شبكات حسابات خارجية ومنسقة تعمل على نشر التضليل وخطاب الكراهية حول سوريا، مشيراً إلى تحليل مئات آلاف المنشورات على منصة "إكس"، وإلى أن 60% من عينة ضمت 50 ألف منشور يحتوي على ادعاءات كاذبة أو غير موثوقة، صدرت عن حسابات حددت أدوات التحليل مواقعها خارج سوريا، خصوصاً في العراق واليمن ولبنان وإيران. كما رصد التحقيق أساليب مثل الحسابات الوهمية والنشر المتزامن وإعادة تدوير مواد قديمة، واستخدام أسماء مؤلفة من أحرف وأرقام عشوائية.

 

لا يعني ذلك أن حملة "لست شجرة" نفسها مثبتة تقنياً ضمن هذه الشبكات، لأن ذلك يحتاج إلى تحليل بيانات وارتباطات وحركة نشر لا تتوافر الآن، غير أن التشابه في البنية العامة، من حيث الغموض والهوية الموحدة والخطاب التحريضي، والاستفادة من لحظة سياسية وعاطفية، يجعلها جزءاً من مناخ أوسع تستخدم فيه الصفحات المجهولة الغضب السوري لإنتاج سرديات قابلة للانفجار.

 

تشويه السنّة والعلويين معاً

ولم تقف الأمر عند التحريض على العلويين، إذ فتحت أيضاً باباً موازياً لتحميل السنّة مسؤولية الخطاب الذي تعتمده  الصادر عن الحملة، باعتبار الدعوة موجهة ضد العلويين باسم ضحايا النظام. ويحمل هذا التعميم المضاد، الخطر نفسه، لأنه ينقل النقاش من صفحة مجهولة إلى اتهام مكوّن آخر، ويمنح الحملة قدرة مضاعفة على إنتاج الفتنة: فهي تحرض على العلويين من جهة، وتدفع في الوقت ذاته إلى تصوير السنّة ككتلة كاملة تقف خلف التحريض من جهة أخرى.

بهذا المعنى، لا تخدم الحملة أي طرف اجتماعي سوري. فهي تؤذي العلويين عبر وضعهم في موقع الاتهام الجماعي، وتؤذي السنة عبر ربطهم بخطاب مجهول وعنصري، وتؤذي الضحايا عبر تحويل قضيتهم من مطلب للعدالة إلى مادة صراع طائفي. كما تمنح فلول النظام السابق والقوى المستفيدة من الفوضى فرصة ثمينة للقول إن ما يجري في سوريا انتقام جماعي، في حين أن جوهر القضية كان ولا يزال محاسبة من ارتكب الجرائم، لا معاقبة جماعات كاملة بسبب نسب أو طائفة أو منطقة.

 

ردود مضادة وتحذيرات من الانجرار

وقوبلت الحملة بردود واسعة من ناشطين وحقوقيين ومستخدمين من خلفيات مختلفة، بين من وصفها بالعنصرية والطائفية، ومن سخر من سطحية شعاراتها، ومن دعا إلى إطلاق حملات مضادة مثل "قاطع الطائفية" و"أنا لست طائفياً"، في محاولة لإعادة النقاش إلى مساره الأساسي: العدالة لا تتحقق بالمقاطعة على الهوية، والمحاسبة لا تبدأ من اسم العائلة أو القرية أو الطائفة، وإنما من ملف الجريمة والأدلة والفاعل والمسؤولية المباشرة.

وتضع الحملة الجهات الرسمية، وخصوصاً الجهات المعنية بمكافحة الجرائم الإلكترونية وخطاب الكراهية، أمام مسؤولية الكشف عن مصدر الصفحات المروّجة للتمييز الطائفي، والتحقق من شبكات النشر والتضخيم، ومحاسبة القائمين على التحريض وفق القانون، مع تجنب تحويل المواجهة إلى رقابة عامة على التعبير أو قمع للغضب المشروع. 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث