الفجيعة مألوفة...والفقر جنون

سارة الدنفالأربعاء 2026/06/03
تجهيز للفنان اللبناني أيمن بعلبكي عن الهجرة والتهجير
تجهيز للفنان اللبناني أيمن بعلبكي عن الهجرة والتهجير
حجم الخط
مشاركة عبر

يتكرّر المشهد. نألفه. تصبح الفجيعة روتينًا يوميًّا، ويفقد الموت والتشرد دهشتهما الأولى. أرصفة المدن الكبرى لا تخلو من ضحايا بريقها : أجساد ملتفة بأغطية بالية تحت الجسور وبجوار المتاحف، ربما تتوقف لتتأملها بحرقة، قبل أن تبتلعك فوهة المترو الفرنسي. تُعوّد نفسك على تبلد الشعور، فمن حيث أتيت، تفترش عائلات كاملة هُجّرت من جنوب لبنان، ساحات بيروت وشوارعها. مشهدان، يربطهما العدوان. الأوّل مبطّن، والثاني وقح، وكلاهما خاضعان لشلل القانون الدوليّ وعبثيّته. فالإنسان عارٍ تمامًا أمام قسوة وجودٍ لم يختره، والعابر يعامله على أنّه خلل جانبيّ، لا يجوز التّوّقف عنده.

 

الفقر يعيد صياغة أدمغتنا

الفقر لا يتوقّف عند شح المال. إنه هجوم بيولوجي مستمر على الجهاز العصبي. تؤكد دراسات علم الأعصاب الحديثة، لا سيما تلك الصادرة عن جامعة "هارفرد" حول "الضغط السّام" (Toxic Stress)، أن العيش في حالة عوز دائم يغرق الدماغ بهرمونات التوتر، مثل الكورتيزول والأدرينالين. هذا التدفق المستمر يعيد حرفيًا تشكيل البنية الدماغية. تنكمش القشرة المخية قبل الجبهية (Prefrontal Cortex)، أي تلك المسؤولة عن التخطيط طويل الأمد، والتحكم في الانفعالات، والتفكير المنطقي. بينما تتوحش "اللوزة الدماغية" (Amygdala)، مركز الخوف والاستجابة البدائية للمخاطر. يتحول الدماغ إلى وضعية "البقاء على قيد الحياة" .

 

المشرد في باريس الذي يبحث عن تدفئة الليلة، أو الأب المهجّر من الجنوب اللبناني الذي يفكر كيف يؤمن حفاضات لأطفاله بعد ساعة، لا يملكان ترف "التفكير الاستراتيجي" أو اتخاذ قرارات مالية حكيمة في المدى البعيد. قراراتهما تصبح حتمًا قصيرة المدى، اندفاعية، ومتركزة حول اللحظة الراهنة. هذا ليس نقصًا في الذكاء، بل استنزافاً كاملاً للطاقة العقلية بفعل الخوف من الغد. 

 

لا عجب إذًا من أن يؤدي الفقر إلى الجنون. هذا إن عرّفنا "الجنون" بالاضطرابات النفسية الحادة والانفصال عن الواقع. إذ تثبت تقارير منظمة الصحة العالمية، علاقة طردية مرعبة بين الفقر والمرض العقلي (Mental Health Poverty Trap). الصدمات المتتالية، وفقدان الأمان، والاضطرار لافتراش الأرض، كلها تدفع العقل البشري إلى حافة الهاوية.

 

العقل عندما يعجز عن تحمل واقع شديد القسوة، يلجأ إلى آليات دفاعية عنيفة، منها "الانفصال" (Dissociation) أو الذهان. المشرد الذي نراه يكلم نفسه، أو حتّى المرأة التي سارت عارية على كورنيش بيروت، ومثلهما كثر، ما عادوا يرون الشارع كفضاء عامّ له قواعده، لقد تجمّد لديهم الشعور بالزمن وبالمعايير الاجتماعية. السكن، الذي هو غريزة أمان، يصبح في ذهنهم هدفًا مستحيلاً أو غير مدرك، لأن العقل تراجع إلى طبقات بدائية جدًا تحاول فقط حماية الذات من الانهيار الكامل عبر إنكار الواقع المحيط والعيش في عوالم موازية.

 

أدمغة العابرين تتغير أيضاً

عندما نرى أجساد المشردين والمهجرين يوميًا، يتوقف الدماغ عن إرسال إشارات التعاطف، لحماية أنفسنا من الألم النفسي. نصبح عميان بإرادتنا. هكذا يُترجم تكيّفنا نحن. لكنّ الأخطر هو ما يسميه علم النفس الاجتماعي بـ"فرضية العالم العادل" (Just-World Hypothesis)، وهي مغالطة منطقيّة تفيد بأن البشر يميلون غريزيًا إلى تصديق أن العالم عادل، وأن كل شخص يحصل على ما يستحقه. هذا الاعتقاد يحمينا من فكرة مرعبة، لكنها في الحقيقة على بُعد فقدان وظيفة، أو قرار سياسيّ معتوه، ألا وهي : ربما نكون مكانهم غدًا. من هنا، نشعر بالاستعلاء ضمنًا. ويتبع ذلك استعلاء يلوم الضحايا. نتهمهم بالكسل أو بإدمان الكحول، نلومهم على الخيارات سياسية، وكأننا أوصياء على مفاتيح المستقبل. في حين أنّ جلّ ما نمارسه هو حيلة دفاعية، لا أخلاقية، ندافع عن نفوسنا أمام الوجع.

 

قد يخيّم الفقر على الناس، في خيم أو من دونها. الفقر عار، والعراء الأكبر. يجرد الإنسان من قشرته الحضارية، وأدنى درجات التعاطف. الّا أنّ الأرصفة لا تكذب، والوجوه المتعبة في الشرق والغرب شهادات حية على أن إنسانيتنا تحتضر كلما مررنا بجسد ملقى على الأرض.. ثم أكملنا الطريق.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث