تحول ملف طلاب الشهادتين المتوسطة والثانوية في السويداء إلى أزمة سياسية مفتوحة، بعدما فشلت المشاورات التي جرت الاثنين، في إنتاج مخرج واضح يضمن حق الطلاب في التقدم لامتحاناتهم، أو يؤجلها إلى موعد بديل، أو يوفر طريقاً آمناً ومتفقاً عليه إلى المراكز الامتحانية في ريف دمشق.
وأجرى وفد من الأمم المتحدة، الاثنين، لقاءين منفصلين مع محافظ السويداء وشيخ عقل طائفة الموحدين الدروز في سوريا، الشيخ حكمت الهجري، في محاولة للوساطة بين قرار وزارة التربية والتعليم السورية إجراء الامتحانات خارج السويداء، ورفض قوى محلية نقل الطلاب إلى دمشق وريفها ودخول قوات الأمن العام مع هيئات الإشراف على الامتحانات، ووضع حواجز شمالي المدينة.
ومع حلول موعد امتحانات الثانوية العامة في 6 حزيران/يونيو الجاري، انتقل الملف من سؤال المراكز الامتحانية إلى سؤال الغائبين عنها، فالطلاب الذين لن يتمكنوا من الوصول إلى مراكزهم الامتحانية في ريف دمشق، بسبب الحواجز أو خوف العائلات أو كلفة الإقامة والمرافقة، صاروا في قلب الأزمة، وأصبحت المطالبة بتأجيل خاص أو الإعلان عن دورة استثنائية مخرجاً ضرورياً يمنع تحويل الخلاف السياسي والإداري، إلى خسارة دراسية يدفعها الطلاب وحدهم.
وكانت وزارة التربية قد أصدرت في 14 أيار/مايو 2026 قراراً بإجراء امتحانات شهادتي التعليم الأساسي والثانوية العامة بفروعها كافة لطلاب السويداء في دمشق وريفها، مبررة الخطوة بتأمين بيئة امتحانية آمنة وعادلة، وضمان الاعتراف الرسمي بالشهادات، بعد تجربة العام الماضي التي أجريت فيها الامتحانات محلياً خارج الإشراف الوزاري الكامل، وفتحت لاحقاً أزمة اعتراف بنتائج الطلاب وشهاداتهم.
لوائح المراكز
ونشرت الوزارة، يوم أمس، لوائح وأسماء المراكز الامتحانية الخاصة بطلاب المحافظة، موزعة في ريف دمشق ضمن صحنايا، وأشرفية صحنايا، وجرمانا، وهي مناطق ذات حضور درزي واضح، ما جعل اختيارها قابلاً للقراءة كمحاولة لاحتواء جانب من الهواجس الاجتماعية، من دون أن يعالج أصل الاعتراض المتعلق بنقل الامتحان إلى خارج السويداء.
وبقيت التعهدات الحكومية المتعلقة بالنقل والتسهيلات في نظر بعض الأهالي والطلاب، أقرب إلى عناوين عامة منها إلى خطة قابلة للتحقق السلس لحوالى 13 ألف طالب وطالبة. في المقابل، فتَح منع أو عرقلة خروج طلاب باتجاه دمشق وريفها باباً واسعاً من الانتقادات ضد "الحرس الوطني"، إذ بدا خطاب حماية الطلاب، في نظر منتقديه، أقرب إلى وصاية على قرار العائلات، خصوصاً مع ظهور خطاب تخويني في مواقع التواصل استهدف الطلاب وذويهم الذين قرروا التوجه إلى المراكز الامتحانية، وقدم خيار التقدم للامتحان بوصفه خروجاً على موقف المحافظة أو انحيازاً إلى الحكومة ووصل إلى التخوين، رغم أن كثيراً من هذه العائلات كانت تحاول إنقاذ عام دراسي كامل من الضياع.
وانقسمت المواقف داخل السويداء، فهناك عائلات رفضت إرسال أبنائها إلى دمشق وريفها، وطلاب أعلنوا مقاطعة الامتحانات خارج المحافظة، في حين أرسلت عائلات أخرى أبناءها إلى مراكزهم أو إلى أقاربهم في دمشق وريفها في وقت سابق، ما جعل الأزمة أكثر تعقيداً، لأن الموقف الطلابي نفسه لم يكن واحداً، ولأن تحويل المقاطعة إلى إلزام جماعي يعني مصادرة حق من اختار الذهاب، كما أن فرض الامتحان خارج المحافظة من دون ضمانات كافية يعني تحميل الطالب كلفة قرار لم يشارك في صنعه.
ولا يمكن فصل الأزمة عن الحالة النفسية للطالب نفسه، الذي يرى اسمه ومستقبله مادة يومية في مواقع التواصل، بين دعوات المقاطعة وخطاب التخوين وبيانات الوزارة وأخبار الحواجز ومقاطع الاحتجاجات، في حين يفترض به أن يحافظ على تركيزه في الأيام الأكثر حساسية من عامه الدراسي.
فالطالب الذي يصل إلى قاعة الامتحان، إذا استطاع الوصول إليها، لا يدخلها في الظروف النفسية نفسها التي يدخلها طالب آخر في محافظة مستقرة امتحانياً، وإنما يدخلها محملاً بالخوف من الطريق والقلق على عائلته والشعور بأنه جزء من نزاع عام لا يفهم كل تفاصيله ولا يملك القدرة على إنهائه، وهو ما يجعل الحديث عن عدالة الامتحان ناقصاً إذا اقتصر على سلامة الأسئلة ونزاهة التصحيح، وتجاهل الضغط النفسي الذي سبق لحظة الجلوس على المقعد.
صراع السردية
وتكشف الأزمة أن الطرفين يتحدثان باسم الطلاب من موقعين مختلفين. الوزارة تقول إنها تحمي حقهم في شهادة رسمية معترف بها، والقوى المحلية تقول إنها تحمي سلامتهم، ولا تعني هذه القراءة مساواة بين المسؤوليات لأن وزارة التربية تبقى الجهة الرسمية المسؤولة عن تنظيم الامتحانات وتوفير بدائل عادلة، فيما تتحمل القوى المحلية مسؤولية مباشرة عن أي منع ميداني أو ضغط اجتماعي يحرم الطالب من قراره.
وبين المسؤوليتين، يصبح الطالب الحلقة الأضعف، لأن صوته لا يحدد مكان الامتحان ولا يفتح الطريق ولا يضمن التأجيل ولا يمنع استخدام مستقبله في معركة أكبر من المدرسة.
ويبدأ المخرج من إعلان واضح بأن أي طالب من السويداء لم يتمكن من الوصول إلى مركزه لن يعد راسباً أو متخلفاً، وأن وزارة التربية ستحدد موعداً بديلاً لطلاب المحافظة، سواء داخل السويداء بإشراف وزاري كامل وضمانات محلية وأممية، أو في دمشق وريفها وفق خطة مكتوبة تشمل النقل والإقامة والمرافقة والرعاية الصحية والحالات الخاصة، كما يتطلب ذلك وقف أي منع ميداني لخروج الطلاب، وترك قرار السفر أو البقاء للعائلات.




