اختزلت معادلة "بيروت مقابل مستوطنات الشمال" في جوهرها، عقيدة عسكرية إسرائيلية مستجدة بعد 7 تشرين أول/أكتوبر 2023، تقوم على قاعدة مفادها "تدمير أشمل واحتلال أكثر وقتل أكبر وتهجير أوسع"، والعمل على تكريسها في لبنان بعدما بدأتها في قطاع غزة خلال الحرب الأخيرة.
وبرزت هذه القاعدة منذ اللحظة الأولى لوقوع هجوم السابع من أكتوبر على منطقة "غلاف غزة"، حيث علت أصوات وزراء ومسؤولين وصحافيين إسرائيليين حينها، بضرورة احتلال أراضٍ جديدة وتدفيع غزة "ثمناً ضخماً وغير مسبوق"، وهو ما تُرجم بإبادة شاملة، وبات لبنان ملحقاً بهذه المعادلة على إثر الحرب المستمرة منذ نحو 32 شهراً. ورغم أن إسرائيل لطالما اعتمدت على مدار عقود من الصراع، على معادلة حسابية قوامها مضاعفة "الألم" الفلسطيني واللبناني والعربي مقابل كل فعل مقاوم؛ لتحقيق "الردع والترهيب"، إلا أنها اتخذت في السنوات الثلاث الأخيرة، منحى أشد تطرفاً، بمنطق الإبادة ومساعي التغيير الديموغرافي عبر القتل والتهجير والتدمير الشامل.
ركيزتان مستجدتان
ويقول الباحث في الشأن الإسرائيلي أنطون شلحت لـ"المدن"، إن العقيدة العسكرية الإسرائيلية التي تبلورت خلال السنوات الثلاث الأخيرة، كتب عنها خبراء إسرائيليون، مشيراً إلى أنها تتضمن ركيزتين أساسيتين، أولاً احتلال أراض جديدة تحت عنوان "عقيدة الأحزمة الأمنية" القائمة على السيطرة على الأرض بموازاة التدمير الشامل للمنازل والبنى التحتية والتهجير الكامل للسكان، وهو ما يعني تطهيراً عرقياً وإن غلفته إسرائيل بمسميات "أمنية"، وهذا ما تمت ممارسته في قطاع غزة ومخيمات شمال الضفة والآن في لبنان. واتصالاً بهذه الركيزة ضمن المعادلة العسكرية الإسرائيلية، رصدت "المدن" تقارير وتحليلات إسرائيلية خلال الحرب الأخيرة، تكشف جانباً من طموحات تل أبيب بتغييرات ديموغرافية في جنوب لبنان لخلق واقع مختلف عبر تكريس كتلة سكانية "عازلة" و"مُحيَّدة"، تارة بالحديث عن إقامة مستوطنات، وتارة أخرى باللعب على وتر مكونات لبنانية غير شيعية، وهي مؤشرات لأهداف تسعى العقلية الرسمية الإسرائيلية إلى تحقيقها على مراحل وتحت النار والدمار والتهجير والسيطرة.
أما الركيزة الثانية للمعادلة العسكرية الإسرائيلية، فهي "القتل المستمر واغتيال القادة بلا توقف" كمعيار بديل لنزع سلاح حزب الله؛ لأن الجيش الإسرائيلي يعترف أن هذا الأمر يتطلب احتلال كامل لبنان عدا عن استغراقه وقتاً طويلاً.
من الإنذار المبكر.. إلى عقيدة "الركام"
وبالعودة إلى الوراء، فإن العقيدة العسكرية لإسرائيل بعد نشوئها، اعتمدت 3 ركائز، هي الإنذار المبكر و"الردع" و"الحسم"، بحسب شلحت، لكن بعد تعرضها لصواريخ من العراق في عهد الرئيس السابق صدام حسين العام 1991، فإن تل أبيب أضافت ركيزة رابعة لعقيدتها، وهي "الدفاع"، حيث شرعت بتطوير منظوماتها الدفاعية، ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم باتت الآلة الإسرائيلية تقوم على "منظومات الدفاع". وبعد حرب تموز 2006، أدخل رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت بالسنوات الماضية ركيزة خامسة تحت مسمى "عقيدة الضاحية"، وذلك حينما هدد بأن تلقى مناطق لبنانية مصير ما حصل في الضاحية في حرب تموز 2006 مقابل كل صاروخ يُطلق، ثم طُورت هذه العقيدة بعد 7 أكتوبر 2023، لتمارس إسرائيل معادلة "الركام والتدمير الشامل والتهجير والاحتلال".
الإبادة والتدمير.. كإجماع إسرائيلي
والحال أن ثمة تحولاً آخر في هذه العقيدة الإسرائيلية القائمة على التدمير الشامل والتطهير العرقي وتوسيع حدود السيطرة، ويتمثل في عدم انحصارها بفكر العسكر والساسة في إسرائيل، بل تلقى تأييداً واسعاً في المجتمع الإسرائيلي الذي بات أكثر يمينية بالعقد الأخير، وقد عكست ذلك دعوات ومنشورات عبرية رصدتها "المدن" في مواقع التواصل بالساعات الماضية، حيث أثنت على قرار نتنياهو بضرب ضاحية بيروت الجنوبية، ثم عبرت عن غضبها من تقييد ذلك من قبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب ومنعه تدمير الأبراج والأبنية في بيروت وضاحيتها الجنوبية، على إثر مكالمة هاتفية بين ترامب ونتنياهو، وصفتها أوساط أميركية بالمتوترة.
وهنا، يؤكد شلحت لـ"المدن" أن ما شهدته إسرائيل من تحولات ديموغرافية تمثلت بازدياد عدد المتدينين واليمينيين مقابل تراجع أعداد العلمانيين واليساريين، قد عزز الإجماع الإسرائيلي على عقيدة "الركام" في لبنان وغزة وكل مكان، حتى أن لهجة قادة الجيش الإسرائيلي باتت تحمل كثيراً من المقاربات الدينية ولو بمصطلحات عسكرية، في مؤشر على تغيرات ديموغرافية وآيدولوجية بإسرائيل أنتجت تأييداً داخلياً واسعاً للحرب وما يترتب عليها من تدمير وإبادة، بذريعة أن الدولة العبرية مُطالبة بالحسم في "المعركة الوجودية" بكل الطرق والوسائل.
"يجب حرق بيروت"
ومن أحدث الأمثلة على العقلية التدميرية والانتقامية القائمة على تضخيم فاتورة "تدفيع الثمن"، هو دعوة السياسي والصحافي الإسرائيلي يوعاز هانديل خلال حديثه لإذاعة الجيش الإسرائيلي قبل يومين، إلى "حرق بيروت"، ويدافع عن قناعته قائلاً إنه في الشرق الأوسط "تنجح رسالة استخدام القوة"، مع العلم أن هانديل شغل سابقاً وزيراً للاتصالات وفكره محسوب على اليمين التقليدي. وفي منشور في منصة "إكس"، كتب محرر الشؤون السياسية يعقوب برودغو، محتفياً بقرار نتنياهو بضرب ضاحية بيروت الجنوبية، أي قبل ساعات من تقييد ذلك من قبل ترامب، حيث قال برودغو إن "إسرائيل ستتحرك بكل قوتها وتصنع واقعاً جديداً في لبنان يقوم على البقاء في الأراضي هناك وتغيير كل ما عرفناه حتى اليوم".
"ألا يكفينا محو القرى الشيعية؟!"
مع ذلك، رصدت "المدن" تعليقاً إسرائيلياً منتقداً لمنشور برودغو، إذ طرح عليه سؤالاً استنكارياً مفاده: "ألا يكفيك محو جميع القرى الشيعية في جنوب لبنان؟ أم أنك تريد السلام مع دولة غير موجودة؟ حدثنا قليلاً عن أحلامك!". ولعل هذا المنشور يمثل إقراراً من الإسرائيليين بأن ما يجري في لبنان هو محو لقرى شيعية، وهو مصطلح معناه أيضاً تطهير عرقي في الجنوب، يقوم على تدمير الحجر وتهجير البشر.
لكن المنشور العبري المنتقد لسياسة الحرق والتدمير والتهجير، يبدو استثنائياً بالمقارنة مع حجم الأصوات المطالبة بالحرق والتدمير، وكان لافتاً أن أحد الإسرائيليين المتطرفين لم يكفه مشهداً يوثق تدميراً واسعاً لإحدى القرى اللبنانية الجنوبية، بل حرّض في منشور له في موقع "إكس" على تدمير شامل للمنازل وتسويتها بالأرض بشكل كامل.
والحالُ أنّ المنظومة العسكرية والسياسية في إسرائيل، تروج لمعادلة التدمير والتهجير والاحتلال، باعتبارها "الوسيلة الأكثر ردعاً للعدو"، وتحرص على استخدام مصطلحات أخرى لمحاولة "شرعنة" هذا المنهج أمام العالم.




