أشعل الاتفاق الأميركي – اللبناني - الإيراني، الأحد، حول تحييد الضاحية وبيروت مقابل المستوطنات الشمالية في إسرائيل، سجالاً لبنانياً بين أهالي الجنوب والأطراف الفاعلة في الإتفاق، وفجّر الاحتقان على خلفية التمييز بين اللبنانيين والمناطق، وسط سؤال تردّد حول العلاقة بين المركز والأطراف داخل الدولة اللبنانية.
ففي حين تحدثت جهات رسمية لبنانية وأطراف سياسية مختلفة عن نجاح الاتصالات الإقليمية والدولية في تحييد بيروت والضاحية الجنوبية عن الاستهداف المباشر، تصاعدت موجة انتقادات واسعة لهذا الخطاب، لا سيما بعد تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي قال فيها إن إسرائيل لن تقصف بيروت. وقد اعتبر كثيرون أن هذه التصريحات تعكس تفاهمات أو ضغوطاً دولية نجحت في حماية العاصمة، فيما بقيت مناطق أخرى من لبنان عرضة للعدوان، وهو ما دفع البعض للقول إن هناك "مناطق بسمنة.. ومناطق بزيت"!
خارج الاصطفافات التقليدية
اللافت أن هذا النقاش تجاوز إلى حد كبير الاصطفافات السياسية التقليدية. فالانتقادات لم تكن مرتبطة بالجهة التي تقود الوساطات أو المفاوضات، سواء كانت الدولة اللبنانية أو إيران أو أطرافاً إقليمية ودولية أخرى، بل انصبت على أصل الفكرة نفسها. فقد صدرت اعتراضات من داخل البيئة المؤيدة لحزب الله تنتقد إيران والحزب لعدم نجاحهما في الدفع نحو تحييد كامل الأراضي اللبنانية، كما طاولت الانتقادات الدولة اللبنانية، باعتبار أن أي إنجاز سياسي يفترض أن يشمل جميع المناطق لا جزءاً منها. وفي المقابل، عبّر خصوم حزب الله وإيران عن موقف مشابه وإن انطلاقاً من خلفيات سياسية مغايرة.
ويستند هذا الجدل إلى واقع ميداني واضح. فبينما يجري الحديث عن التهدئة والضمانات، يستمر العدوان الإسرائيلي على مناطق الجنوب والبقاع الغربي، وتتواصل عمليات القصف والتدمير وسقوط الشهداء والجرحى بشكل شبه يومي. ومن هنا برزت الاعتراضات على تقديم تحييد بيروت بوصفه معياراً لنجاح التفاهمات، في وقت لا تزال فيه مناطق لبنانية أخرى تتحمل العبء الأكبر للحرب.
مركز وأطراف
هذا النقاش أعاد إلى الواجهة مفهوم "المركز والأطراف"، وهو مفهوم حاضر في العديد من الدراسات الاجتماعية والسياسية اللبنانية. فبيروت كانت تاريخياً مركز السلطة والإدارة والاقتصاد والاستثمارات، بينما عانت مناطق الجنوب والبقاع والشمال من تفاوتات تنموية مزمنة وشعور متكرر بالتهميش. ولذلك رأى كثيرون أن السجال الحالي لا يتعلق فقط بالحرب، بل يعكس إشكالية أعمق تتصل بطريقة النظر إلى الجغرافيا اللبنانية وأولويات الدولة.
واللافت أن مفهوم المركز والأطراف عاد هذه المرة من بوابة الحرب، لا من بوابة التنمية. فبدلاً من النقاش حول توزيع الاستثمارات والخدمات، انتقل الجدل إلى توزيع الأعباء والمخاطر. ومع استمرار القصف في الجنوب والبقاع، برزت لدى كثير من اللبنانيين مخاوف من تكريس معادلة غير معلنة يصبح فيها أمن المركز مؤشراً إلى الاستقرار، فيما تبقى الأطراف ساحة مفتوحة للمواجهة (أو العدوان).
الواقع، تجاوز الجدل الدائر اليوم تفاصيل التفاهمات الأمنية والوساطات السياسية ليصل إلى نقاش أوسع حول معنى العدالة الوطنية داخل الدولة اللبنانية. فالحرب الأخيرة لم تعد فقط النقاش حول وقف إطلاق النار، بل أعادت أيضاً طرح سؤال قديم حول العلاقة بين بيروت والمحافظات الأخرى، وحول ما إذا كانت الحماية الوطنية تشمل جميع اللبنانيين بالقدر نفسه، أم أنها ما زالت محكومة بالتمييز بين المركز وهوامشه.




